close button
انتقل إلى إيران وير لايت؟
يبدو أنك تواجه مشكلة في تحميل المحتوى على هذه الصفحة. قم بالتبديل إلى إيران وير لايت بدلاً من ذلك.
أخبار

كيف قَوّض خامنئي دعائم المجتمع المدني منذ انتخابات عام 1997؟

8 يناير 2021
٧ دقيقة للقراءة
خامنئي في عام 1997. مصدر الصورة إيران وير فارسي
خامنئي في عام 1997. مصدر الصورة إيران وير فارسي

محمد مهدي آكاه – إيران وير

إنّ تقليب صفحات أداء خامنئي قبل وبعد الانتخابات الرئاسية 1997 يدلنا على زوايا من طريقة قيادته لإيران، وبعض تصريحات المرشد الأعلى والمسؤولين الإيرانيين التي وردت في مذكرات أكبر هاشمي رفسنجاني تشير إلى الأسلوب الذي اتخذه خامنئي، فتنكّر من خلاله لأهم مؤشرات الديمقراطية جوهريةً، وفَتَك بالمجتمع المدني، وذهب بالمجتمع كله نحو اليأس من الإصلاحات. وبالطبع ففي هذه المدة كلها كان القلق يَستبد بتيارات مختلفة حول قضية تجاهل “منزلة المرشد الأعلى”.

عندما تسلّم علي خامنئي مقاليد رئاسة الجمهورية في العام 1981 كان عمره 42 سنة؛ وهو عمر “روح الله زم” حين أُعدِم. وبعد ثلاثة أشهر من الآن سيُكمِل عامه الـ 82؛ وقد أمضى زهاء نصف عمره على رأس قيادة نظام الجمهورية الإيرانية: ثماني سنوات رئيساً للجمهورية ونحو 32 مرشداً أعلى. خامنئي واحد من عدة أشخاص في الدنيا ممن كانوا في آخر خمسمئة سنة على رأس إدارة البلاد لأكثر من ثلاثين عاماً.

في جميع هذه السنوات، وَسّع المرشد يوماً بعد يوم من هيمنته وتدخله المباشر وغير المباشر في جميع شؤون البلاد، ويُرجع أخطاءه في التقديرات والتحليلات إلى “ممارسة التضليل”. إذ لم تتوقف المؤسسات ووسائل الإعلام الخاضعة له عند الأخطاء المرتكبة، ولم تُطِلْ فيها التأمل، كما لم تتحدث التيارات السياسية، حتى تلك الموسومة بالإصلاحية والمعتدلة عن الأخطاء في وسائل الإعلام المختلفة.

وتصفُّح أداء خامنئي في النصف الثاني من تسعينيات القرن المنصرم يُوضِّح لنا أسلوبه في القيادة.

جدير بالذكر أن أكثر هذه التفاصيل ظَهرت إلى العلن في مذكرات أكبر هاشمي رفسنجاني عن سنة 1997؛ حين فاز “محمد خاتمي” بالانتخابات الرئاسية خلافاً للتوقعات، وبناءً على تلك المذكرات، كان مَن يزورون رفنسجاني ويلتقون به بعد الانتخابات يُبدون قلقهم بشأن زلزلة “مكانة المرشد الأعلى” بسبب أداء المرشد ومكتبه في خضمّ الانتخابات. ولا ريب أن خامنئي نفسه كان يعلم حجم الخطأ الذي ارتكبه، لكنه كان يَـتحيّن الفرصة “ليمارس التضليل” (في دعم ناطق نوري على حساب محمد خاتمي).

نتيجة الانتخابات جاءت على غير ما يشتهي المرشد الأعلى

يكتب رفسنجاني في مذكراته ليوم 15 مايو/أيار 1997 عن لقائه بالمحيطين بمحمد خاتمي وشكاواهم من إجراءات: “أئمة صلاة الجمعة والباسيج والاستخبارات والحرس الثوري وهيئة الإذاعة والتلفزيون”، لكن خطاب خامنئي حول الانتخابات قبل هذا اللقاء بأسبوعين كان قد دفع بهؤلاء أنفسهم ليتوجهوا إلى لقاء رفسنجاني، ويستشيروه في مسألة تنحّي خاتمي عن الانتخابات، فمنعهم رفسنجاني من ذلك.

في ذلك الخطاب الذي أُلقي على مسامع رجال الدين في 3 مايو/أيار، قال خامنئي: “الشعب يَعتبر تمييزَ العلماء تمييزاً قابلاً للاحتجاج عند الله. وفي قضايا مثل الانتخابات الرئاسية يَثق الشعب بالعلماء أكثر من أي أحد آخر”. وكان العلماء الذين يَقصدهم خامنئي قد اتخذوا قبل ذلك بأيام وأسابيع مواقفَ لمصلحة منافس خاتمي، أي “علي أكبر ناطق نوري”.

فُسِّر هذا الخطاب على أنه دعمٌ لناطق نوري، وفي اليوم التالي توجه لفيف من مؤيدي خاتمي، وهم: “محمد موسوي خوئينيها” و“مهدي كروبي” و“محسن نوربخش” و“غلامحسين كرباسجي” و“حسين مرعشي”، إلى رفسنجاني، وكان رئيساً للجمهورية حينها، يَعرضون بين يديه شكواهم، فأجابهم الأخير: “نصحتهم ألا يُقدِموا على تنحّي خاتمي. وتَقرّر أن أعرِض الأمر على المرشد”.

ووفق الكاتب فإن خامنئي أنكر دعمه أحاديَّ الجانب نكراناً تاماً، وقررَّ أن يلتقي بخاتمي الذي كان قد طلب موعداً للقاء، وهو يُقنعه بأنه لا يدعم أحداً بعينه.

وقبل أسبوعين من هذه الأحداث كان “علي لاريجاني”، مدير هيئة الإذاعة والتلفزيون وقتها، قد أبدى قلقه لدى رفسنجاني من تنامي أصوات خاتمي وهبوط أصوات ناطق نوري في استطلاعات الرأي.

وقبل لاريجاني أيضاً، أظهر قلقاً مشابهاً واحدٌ ممن يُنصِّبهم المرشد، وهو “محمد يزدي”، رئيس السلطة القضائية حينها؛ ففي لقائه مع رفسنجاني في 16 أبريل/نيسان، كَشف يزدي عن قلقه إزاء تزايد أصوات خاتمي، كما شكا من حضور مرشّحَين آخرَين في الانتخابات، وهما “محمد محمدي ري شهري” و“رضا زوّارئي”، لأنه يتسبب في تبعثر الأصوات مُلحقاً الضررَ بناطق نوري. وكان وزير الاستخبارات أيضاً قد قال لرفسنجاني في 5 مايو إن أصوات خاتمي تتزايد “على نحو منظم”.

مع هذا كله وقبل الانتخابات بأسبوع، ذهب إلى رفسنجاني مرةً أخرى كلٌّ من “كروبي”، و”خوئينيها”، و”كرباسجي”، و”نوربخش”، و”محمد علي نجفي”، وأخبروه بقلقهم من تصريحات خامنئي الجديدة في لقائه مع العاملين في الإذاعة والتلفزيون، وحدّثوه ثانية عن تنحّي خاتمي. إلا أن خطبة الجمعة لرفسنجاني قبل الانتخابات وتحذيراته من التزوير فيها أَثلجت صدورَ أنصار خاتمي، لكنها أغضبت داعمي ناطق نوري، ومنهم هيئة الإذاعة والتلفزيون، وكتب رفسنجاني إنه أدرك أنهم “غاضبون” من طريقة تغطيتهم وبثهم لخطابه.

ناهيك عن أن موقف “حسن روحاني” في تلك الأيام أيضاً يسترعي الانتباه، بحسب ما يكتب رفسنجاني، إذ عبّر روحاني عن قلقه من “المآلات المحتملة لتصريحات المرشد”، وقال: “بعد هذا الموقف أحادي الجانب الواضح لخامنئي، إذا لم تكن أصوات الشعب منسجمة مع رأيه فإنّ النظام سيتلقّى ضربة قاسية”. وتابع رفسنجاني: “كان روحاني يَعتبر مثل هذه المواقف (الصادرة من أعلى سلطة) خاطئةً وتضر بالنظام”.

بعد ثلاثة أيام، أي في 19 مايو/أيار، خاطب “مسيح مهاجري”، المدير المسؤول عن صحيفة “الجمهورية الإسلامية” رفسنجاني معبِّراً عن قلقه جرّاء “دعايات الإذاعة والتلفزيون، ومناصرة المرشد الأعلى، والدعايات أحادية الجانب من قِبَل أئمة صلاة الجمعة الـمَعزوِّين إلى المرشد”، معتبراً ذلك كلَّه “سبباً في نأي الشباب عن مركزية النظام”.

ارتكازاً على مذكرات رفسنجاني في 20 مايو/أيار، كان خامنئي “لا يزال يَرى ناطق نوري متقدماً، لكنه يَعتقد أن الانتخابات ستذهب إلى المرحلة الثانية”، وفي آخر يوم من أيام الحملة الانتخابية، خَصصت صحيفة “أبرار” عنوانها العريض في صفحتها الأولى لمقولة لمحمد رضا مهدوي كَني: “نُخمِّن أن المرشد الأعلى يَنزع ويميل باتجاه ناطق نوري”.

وفي نهاية المطاف، أُجريت الانتخابات في 23 مايو/أيار، وفي اليوم التالي أُعلنت النتائج بفوز خاتمي بثلاثة أضعاف من الأصوات.

وبعد الانتخابات بأربعة أيام، توجه “إبراهيم أميني”، نائب رئيس مجلس خبراء القيادة حينها، من قم إلى طهران، والتقى رفسنجاني، وعبّر عن قلقه من “إضعاف مكانة المرشد بسبب الإجراءات التي اتُّخذت في قضية المرجعية والانتخابات البرلمانية والانتخابات الرئاسية”، وكذلك بسبب “سوء الإدارة الذي أدى إلى تزلزل أهمية علماء الدين في الانتخابات”.

في 13 يونيو/حزيران، قال خوئينيها وكروبي و“محمد رضا توسلي” لرفسنجاني إنهم ليسوا راضين عن نتائج لقائهم مع المرشد، وإنهم قلقون بشأن احتمالية إحداث عراقيل وإزعاجات لحكومة خاتمي.

وفي 18 يونيو، قام ري شهري بإطْلاع رفسنجاني على أن “نفسية أشخاص مَن أُجبِروا على دعم ناطق نوري مثل جوادي آملي ومحسن قراءتي أصبحت سيئةً”.

وفي حوار رفسنجاني في 21 سبتمبر/أيلول مع“أحمد شفيعي”، عبّر  الأخير -وكان معاون وزير الاستخبارات في ذلك الوقت- عن قلقه من نتائج الانتخابات بسبب تداعياتها على المرشد الأعلى، وكذلك بسبب “سوء الإدارة” في مكتب خامنئي.

ونقف في مذكرات رفسنجاني لسنة 1997 على شواهد أخرى تُفسِّر أن التصويت لخاتمي، وتجاهل دعم خامنئي التلويحي لغريمه ناطق نوري هَزّ مكانة “المرشد الأعلى للنظام”. ومن المرجَّح أن خامنئي أدرك هذا الموقف والظروف المستجدة، فانتظر فرصةً يُقدِم فيها على إجراءات تُعوِّضه. وقد جاءته هذه الفرصة في نوفمبر/تشرين الثاني 1997.

عيون الجماهير وفم المرشد

في 23 نوفمبر/تشرين الثاني، أي بعد أقل من ستة أشهر على الانتخابات، ألقى منتظري خطاباً بمناسبة “13 رجب” موجِّهاً فيه انتقاداً صريحاً إلى خامنئي والنظام. فأثار المحيطون بخامنئي والمناصرون له ضجة كبيرة إثر هذا الخطاب، الأمر الذي انتهى إلى احتلال حسينية منتظري وتخريبها، وإهانته على نطاق واسع، وانطلاق مسيرات “عفوية” ضدَّه، وفي النهاية أدت المظاهرات إلى وضع منتظري تحت الإقامة الجبرية لأكثر من خمس سنوات.

كان منتظري قد قال في ذلك الخطاب: “هناك ذكر للولي الفقيه في دستورنا، لكن هذا لا يعني أن الولي الفقيه هو كل شيء؛ إذا كان ذلك كذلك فلا معنى للجمهورية حينئذ”. وأضاف: “مِن جملة ما آخذه على رئيس الجمهورية خاتمي هو هذا الأمر تحديداً. وقد أرسلتُ له برقية بهذا الشأن. ولا أعلم هل أخبروه بذلك أو لا. بالطبع لا تَواصل بيننا، لكن حين تم انتخابه كتبت له. ثم في ما بعدُ كتبت له أنك إذا تابعت طريقك على هذا النحو فلن يتسنى لك فعل شيء يُذكَر… ولو كنتُ مكانك لقابلت المرشد، وقلت له: ’’مكانتك على العين والرأس، وكذلك احترامك علينا، لكن 22 مليون نسمة صوّتوا لي. وإنهم حين صوّتوا كانوا يعلمون أن المرشد كان يَدعم شخصاً آخر”.

فضلاً عن ذلك، فقد شكّك منتظري في خطابه هذا تشكيكاً صريحاً في مكانة خامنئي العلمية، وفي التمهيد السياسي لتقديم خامنئي كـ “مرجع”.

بعد أقل من أسبوعين على خطاب منتظري، حضر خامنئي بين جموع الباسيج، وتأكد من سيطرة مَن أهانوا منتظري على الجو العام، وقد هاجم بنبرة تحذيرية “عدةَ أشخاص اعتبرهم “سُذّج ومعمّمين” ووصفهم بأنهم “لا يُشكلون رقماً”، وقال إن ذلك الشخص قاصداً منتظري “مسكين” يُجبَر على “قول كلمة أو اتخاذ موقف خاطئ وأخرق. ويظن أن الأجواء والأوضاع تَسمح له بأن ينطق بشيء ما؛ لكنه يأتي لنفسه ولأسرته وأولاده بما لا تُحمَد عقباه”.

وفي هذا الخطاب، شدّد خامنئي أكثر من مرة على أن المرشد “ركيزة للألفة ومانع للتفرقة”. وعلى سبيل المثال عندما يريد “العدو” إخلاء صناديق الاقتراع في الانتخابات “يأتي دور المرشد ليكون مثالاً للشعب، ويُخبرهم أن الانتخابات واجب. “وقتذاك يَثق الشعب بكلام المرشد، ويَدخل المشهد، ويَخلق ملحمة عظيمة في التصويت والسير على نهج المرشد”. وبحسب تعبيره، فإن “عيون الجمهور على فم المرشد الأعلى”؛ أي إن الجمهور ينتظر ما ينطق به المرشد ليفعلوا ما يريد.

المرشد المستبد والمجتمع المدني الـمَقضيّ عليه

كان خامنئي يعلم علم اليقين أن عيون الشعب كانت حقاً على فم المرشد قبل ستة أشهر ليتصرفوا عكس ما يَنطق به. لكن المرشد لم يرغب في رؤية المطلب العام للجماهير (أي عدم تدخل خامنئي لمصلحة أيّ مرشح). وطيلة سنوات رئاسة خاتمي، بذل مساعيه مع الأجهزة الخاضعة لأوامره في سبيل منع تحقيق وعود خاتمي، وعرقلة حكومته من إنجازها.

ومَضت السنوات اللاحقة بفشل أو افتقاد آثار جميع العمليات التي طالبت جماهيرُ الشعب باستثمارها في انتخابات 1997. والإصلاحيون الذين تبوؤوا سدّة السلطة كانوا لا ينفكون يُكررون في جميع المناسبات قولاً واحداً، هو ضرورة عدم تجاهل “مكانة المرشد”.

فأضحى خامنئي أكثر سلطة لكن بثمن باهظ: إضعاف أهم مؤشرات الديمقراطية جوهريةً، وكذلك تقويض دعائم المجتمع المدني، فضلاً عن يأس المجتمع من الإصلاحات.

إرسال تعليق

Ad Component
أخبار

نتنياهو يحذر من عودة الاتفاق النووي الإيراني

7 يناير 2021
دانة سقباني
١ دقيقة للقراءة
نتنياهو يحذر من عودة الاتفاق النووي الإيراني