عماد الشدياق – لبنان
بعد ساعات من انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب/أغسطس من العام 2020، وعد وزير الداخلية اللبناني محمد فهمي اللبنانيين وذوي الضحايا والمتضررين، بأنّ السلطات اللبنانية ستكشف حقيقة الانفجار في غضون أيام. وعلى الرغم من مرور عام على الانفجار، إلا أن التحقيقات حتى اللحظة لم تكشف عن أسباب الانفجار وعن الجهات المسؤولة عنه.
وأنّها تكتفي بالكشف عن أسباب “الإهمال الإداري والوظيفي”، من دون البحث، أقلّه حتى اللحظة، عن الجهات التي جلبت شحنة نترات الأمونيوم إلى المرفأ بواسطة السفينة “روسو” في العام 2014، ثم حافظت على بقائها في العنبر رقم 12 طوال هذه السنوات، إلى حين انفجارها.
مع بداية التحقيقات قبل سنة، رسم المحقّق العدلي الأول القاضي فادي صوان، ثم المحقق الآخر الذي حلّ مكانه القاضي طارق البيطار، ثلاثة سيناريوهات الانفجار.
ولم يكشف المحقّق العدلي أين وصل التحقيق، إلاّ أنه قال في حديث لإحدى وسائل الاعلام العربية إنه تخلى عن واحدٍ من هذه الفرضيات، وهي فرضية “الاستهداف العسكري” التي باتت مستبعدة، مبقياً في المقابل على فرضيتين أخرتين هما: الأولى تتعلق بعمل أمني ميداني، والثانية التلحيم التي ترددت عقب وقوع الانفجار.
وفيما لم يكشف أي تفاصيل عن الفرضية الثانية (العمل الأمني) تحدث البيطار عن الفرضية الأخيرة كاشفاً عن نيته تنفيذ محاكاة للانفجار، حيث أمر بتشييد مجسّم مشابه للعنبر رقم 12 وستوضَع كمية صغيرة من النيترات وسيُجرى اختبار تلحيم، للتأكد مما إذا كان يمكن لشرارات التلحيم أن تصل إلى الداخل وتشعل المواد وتؤدي فعلًا إلى انفجار.
وشرح البيطار أن أدوات التلحيم نفسها التي استخدمت قبيل الانفجار ستستخدم خلال المحاكاة. أما موعد العملية، فينتظر ظروفًا مناخية مشابهة لما كانت عليه يوم الرابع من آب/أغسطس.
سقف القضاء اللبناني ملاحقة السياسيين والأمنيين؟
وفي موازاة ذلك، كان المحقق العدلي يوجّه طلبات إلى البرلمان اللبناني يطلب فيها رفع الحصانة عن ثلاثة نواب ورؤساء أجهزة أمنية من أجل ملاحقتهم بتهم الإهمال المقصود والإهمال غير المقصود. وذلك بعد أن تمكّن القضاء اللبناني من اكتشاف أن مسؤولين على مستويات سياسية وأمنية وقضائية كانوا على دراية بمخاطر تخزين هذه المواد التي أودت بحياة نحو 200 شخصاً وسقوط أكثر من 5 آلاف جريح وتدمير أحياء في العاصمة بيروت، لكنّهم لم يتحرّكوا لمنع هذا الخطر.
ما فعله المحقق، هو أنّه طلب الإذن بملاحقة 3 وزراء سابقين هم في الوقت نفسه نواب الآن، وذلك بجناية “القصد الاحتمالي” لجريمة القتل إضافة إلى جنحة “الإهمال والتقصير”، لأنّهم كانوا على دراية بوجود نيترات الأمونيوم ولم يتخذوا إجراءات تجنّب البلد خطر الانفجار. كما استجوب رئيس الحكومة المستقيلة حسان دياب.
كما طلب المحقّق البيطار أيضاً، الإذن من نقابة المحامين لملاحقة وزير الأشغال السابق يوسف فنيانوس (من حزب “المردة”)، والنائبين زعيتر وخليل كونهم محامين.
أما في الاستدعاءات الأمنية، فطلب الإذن من رئيس الحكومة المستقيل حسان دياب الادعاء على مدير عام أمن الدولة اللواء أنطوان صليبا، والإذن من وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال لملاحقة المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، وهو كان الإدعاء الأكثر إثارة للجدل، والذي جوبه بحملة إعلامية داعمة للواء ابراهيم، بواسطة انتشار لوحات إعلانية في شوارع بيروت تسانده وتدافع عنه، وتنفي تورطه بالملف.
المحقق طلب أيضاً، الإذن من وزارة الدفاع بملاحقة قائد الجيش السابق جان قهوجي وضابطين آخرين، وكشف أنّ ثمة لائحة إستدعاءات لشخصيات أخرى لكنّ لم يُكشف عنها.
رفض البرلمان اللبناني طلبات ملاحقة النواب، وردّت هيئة المجلس النيابي طلب المحقق، وطالبته في المقابل بتزويدها بأدلة “تثبت الشبهات” على المدعوين للاستجواب.
يومها، قال نائب رئيس مجلس النواب إيلي الفرزلي للصحافيين في السابع من تموز/يوليو، أنّ الهيئة انتهت “بوجوب طلب خلاصة عن الأدلة الواردة بالتحقيق وجميع المستندات والأوراق التي من شأنها إثبات الشبهات.. للتأكد من حيثيات الملاحقة”. كما كشف أنّ الهيئة ستعقد اجتماعاً آخر فور تزويدها بالجواب المطلوب” لاستكمال البحث، وإعداد تقرير يُرفع الى البرلمان تمهيداً للبتّ بطلب رفع الحصانة.
ولاقى هذا القرار موجة اعتراض واسعة من الرأي العام اللبناني، وانتشر في حينه وسم على مواقع التواصل الاجتماعي بعنوان “أسقطوا الحصانات الآن”، ثم تطورت الأمور حتى بلغت حدود تنظيم ذوي الضحايا تظاهرات توجّهت إلى منازل المتهمين وخصوصاً إلى منزل وزير الداخلية المستقيل محمد فهمي بعد إبداء استعداده للموافقة على منح الإذن لملاحقة اللواء إبراهيم، ثم تراجعه عن ذلك من دون معرفة الأسباب.
التحقيق ضاع في السجال عن رفع الحصانات
هذه التفاصيل أبعدت دفة التحقيق عن السبب الرئيسي له وأصبح مقتصرا على السجال حول الحصانات، بعد أن أغرقت السلطة السياسية التحقيق العدلي بالسجالات السياسية والدستورية، والآراء القانونية الداعمة لطلب رفع الحصانات وأخرى رافضة لها، ثم انقسمت الأحزاب فيما بينها، فطالب تلك المسيحية بضرورة الإسراع في رفع الحصانات (القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر) في مواجهة الأحزاب المسلمة التي رفضت ذلك وطالبت بتعديل الدستور من أجل رفع الحصانات عن الجميع، وبمن فيهم رئيس الجمهورية ميشال عون المحصّن دستورياً بمواد تمنع محاكمته إلاّ في حال ارتكابه الجرئم والخيانة العظمى.
ما في بريء بخاف يمثل أمام قضاء وما في آدمي عايز حصانة#اسقطوا_الحصانات_الان pic.twitter.com/pYejrVRpe9
— Mariam Majdoline Lahham | مريم مجدولين اللحام (@Majdolineblog) July 20, 2021
من نصبّكم " آلهة " لكي تكونوا فوق المسائلة #انفجار_مرفأ_بيروت هو جريمة العصر ، لا أنتم ولا أولادكم ولا أحفادكم أهم من أرواح الضحايا #اسقطوا_الحصانات_الان
— Rabia Zayyat (@rabiazayyat) July 22, 2021
رأي خبراء من القانونيين بالتُهم وبمسألة رفع الحصانات:
وعن رأي القانونيين في توجيه التُهم ومسألة رفع الحصانات عن النواب،
ويضيف أنها مفهومة حينما تحمي النواب للأفكار وللآراء التي يُبدونها فقط، أمّا الحصانة ضد الجرائم والملاحقات القضائية، “فليس لها أيّ مبرر”.
ويخلص بارود إلى القول إنّ مجلس النواب “لا يمكن له في نهاية المطاف ألاّ أن يرفع الحصانة”، ويذكّر بأنّ رفعها “ليس إدانة”، إذ يمكن للمحقق أن “يعود عن قرار الادعاء في حال دخول معطيات جديدة على الخط”، أمّا إذا رفض المجلس النيابي رفع الحصانة، فيكون قد أبدى صراحة رفضه بذلك.
ويتفق وزير العدل الأسبق البروفسور إبراهيم نجار، مع بارود أيضاً بموضوع الحصانات، ويعتبر أنّ “لا حصانات في جريمة كهذه، لأنّ السبب الذي من أجله وُضعت هذه الحصانات لا يمت إلى الإجرام والإهمال بصلة”،
نجار يعتبر أنّ “ثمة أمران يستوقفان المراقب، هما التركيز في التحقيق على الشخصيات اللبنانية فقط. وكذلك طلب رفع الحصانات… والأمران يفترضان أنّ سبب الانفجار لا علاقة له بأيّ تدخّل خارجي!”.
وفي نظر وزير العدل السابق، فإنّ هذا الاستنتاج “سيؤدي إلى القول حكماً بأنّ لا صاروخ كروز ولا طائرة مسيرة ولا قصف من بعيد، وهذا يشير إلى أنّ الأسباب الخارجية قد استُبعدت، وهذا تفصيل مهم جداً وملفت”.
الفكرة الثانية، وهي أنّ الاشخاص “كلهم لبنانيون”، وأن القاضي البيطار “انطلق من هذا الأمر ليقول إنّ ثمة مواد خطرة في المرفأ، وثمة تقرير مفصّل يشير إلى المخاطر وحينما وصل التقرير إلى مراجع أمنية وعسكرية وسياسية وأيضاً رئاسية، أحد منها لم يتّخذ أي تدبير”.
وعليه، هناك مواد في القانون تسمى “الإهمال التقصيري الجنائي”، وهذا بدوره بحسب نجار، يعني أمر من إثنين:
-1-
وصلت المعلومات لجهات أهملوها ولم يفهموا خطورتها، ثم لم يتخذوا أيّ تدبير، وهذا دور سلبي اتخذه القضاء اللبناني، كما أنّ هيئة الاستشارات القضايا (هيئة هيئة في وزارة العدل يُطلب رأيها القانون في المواضيع الجدلية) عند العودة إليها في هذا الملف ركّزت على خيار بيع المواد، ورفع الباخرة أو بيعها وبيع محتوياتها.
-2-
وصلت التقارير إلى ناس مسؤولين وتوجسوا شراً منها، فأصابه نوعاً من الذعر كي لا تكون هذه المواد موضع تأثّر بالمعطيات الاقليمية، إن كان الشأن السوري أو شأن حلفاء سوريا في لبنان (حزب الله). هذا الذعر دفعهم صوب الإحجام عن اتخاذ القرار المناسب، خوفاً من ردات فعلٍ يفضلون تجنّبها.
في نظر نجار فإنّ “هذا الخوف ملفت جداً”، لأنّ التقارير “وصلت إلى قيادات وإلى وزراء وعسكريين وإلى ورئاسة الجمهورية والحكومة لكنّ أحداً لم يتخذ التدبير اللازم… وهذا يُفسّر لماذا ادعى المحقق العدلي على مسؤولين لبنانيين، ولماذا قال إنّ هذه دفعة أولى وهناك دفعة ثانية من الادعاءات”.
أمّا عن فصل الإدعاءات وتأخير استجواب عدد من الشخصيات منها قائد الجيش الحالي جوزيف عون، فاعتبر نجار أنّ “المحقق العدلي لم يخطىء في فصلها”، مذكراً بأنه ادعى أيضاً على رئيس الحكومة ولم يخبره عن موعد استجوابه بعد، لكنّه في المقابل لم يستجوب رئيس الجمهورية على الرغم من صدور وشوشات في الإعلام عن وصول تقارير مشابه للرئيس ميشال عون، ولا شي بيمنع أن يقصد المحقق الرئيس ويطلّع منه بطريقة تليق بمكانة الرئيس من دون اتهامه أو التلميح بارتكابه أي جرم” (الرئيس عون أبدى يوم الخميس 29 يوليو/ تموز، استعداده للتعاون مع المحقق العدلي في حال ارتأى ذلك).
وخلص نجار إلى القول إنّ المحقق العدلي “بات في صدد تحضير قراره الظني” وسيشمل 3 أنواع من الادعاء: الإداريون، العسكريون والسياسيون. “هو بات يعلم كيف وصلت الباخرة وكيف احتجزت وكيف أغرقوها ومن زوّر المانيفست”.
العودة إلى النظام السوري و”حزب الله” واغتيال لقمان سليم
لكن في مقابل هاتين الفرضيتين،
كما لم يصدر عن المحقّق أيّ بيان أو إشارة، حول إن كان توسّع أو سيتوسع في التحقيقات لتطال الشخصيات المقربة من النظام السوري، التي كشفت تقارير إخبارية تفاصيل عن امتلاك هذه الشخصيات شحنة نترات الأمونيوم، وكذلك لم يُعلن عن لقائه أحداً من مسؤولي “حزب الله” الذي اتُهم منذ البداية بسيطرته على العنبر رقم 12 في مرفأ بيروت، ومن بين من قال ذلك صراحة، وزير العدل السابق أشرف ريفي الذي تحدث في أكثر من مناسبة، عن معلومات يملكها منذ أن كان مديراً عاماً لقوى الأمن الداخلي، تؤكد سيطرة الحزب على هذا العنبر.
هذه المعلومة أكدها لـ”إيران وير” أيضاً بعيد الانفجار بأيام، مُخلّص جمركيا يعمل في المرفأ، وكشف المصدر الذي طلب عدم الكشف عن اسمه حفاظاً على حياته، أنّ جميع العاملين يعلمون أنّ العنبر رقم 12 يقع تحت سيطرة “حزب الله”.
ويقول السياسي والنائب السابق المناهض لـ”حزب الله” الدكتور فارس سعيد: “أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حين وصوله إلى بيروت 6 آب/أغسطس 2020 استخدم المصطلح الفرنسي accidental وليس جريمة مدبرة أو قرار أمني بتفجير بيروت”، مضيفا في الوقت عينه أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو “تكلم عن تفجير مادة نترات الأمونيوم في مرفأ بيروت، ثم سحب كلامه والتزم الصمت. وحتى الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب تكلم عن تفجير ثم تراجع” بحسب سعيد.
ويعزو النائب اللبناني السابق السبب في هذه الضغوط، إلى تحييد التهم عن إسرائيل. وأنّه حتى “حزب الله” الذي عادة ما يحمل إسرائيل المسؤولية عن الأحداث الدائرة في لبنان “لم يتهمها بحادثة المرفأ، وإنّما منحها ما يشبه صكّ البراءة” لأن اتهام إسرائيل، “من شأنه بالتالي، اتهام حزب الله بالمسؤولية عن اقتناء هذه المواد وتخزينها في المرفأ”.
ويذكر سعيد كيف كان الإعلام المسؤول، هو الجهة الوحيدة التي “ربطت وجود رجال أعمال سوريين مقرّبين من نظام بشار الأسد في موسكو، بعملية تخزين نترات الأمونيوم في مرفأ بيروت”، ثم ذكّر أيضاً كيف الربط الناشط السياسي المناهض للنظام السوري ولـ”حزب الله” لقمان سليم، بين “عملية تفريغ الأمونيوم من المرفأ ونقلها إلى سوريا.
ويؤكد سعيد أنّه كان من بين الأوائل الذين طالبوا بتحقيق دولي، لمعرفته المسبقة بأنّ القضاء اللبناني عاجز عن الوصول إلى الحقيقة لكن القوى الدولية رفضت هذا الأمر، وهو الأمر نفسه الذي كشف عنه الأمين العام لـ”تيار المستقبل” أحمد الحريري قبل أيام في مقابلة مع تلفزيون “الجديد” اللبناني، حيث قال إنّ “كل الجهات الدولية رفضت التحقيق الدولي بمن فيه فرنسا أيضاً”.
إعداد:
عماد الشدياق
فاطمة العثمان
أحمد سلوم
صوت:
أحمد الديري
دانا سقباني
مونتاج:
كمال حسان
تصميم:
نوار مهرة
إشراف على التحرير:
أحمد الديري
إشراف عام:
محمد زيد مستو
إرسال تعليق