تورج- إيران وير
قبل عدة أشهر أطلق موقع “إيران وير” الفارسي بالتعاون مع موقع “الأديان الإيرانية” أول مسابقة عنوانها “نحن إيران”، ومؤخراً أعلنت نتائج التقارير الأفضل في هذه المسابقة التي قام المشاركون فيها بسرد تعايش مجتمعات الأقليات الإيرانية في قالب التقارير والصور ومقاطع الفيديو، والتقرير التالي هو أحد التقارير المختارة الذي يتناول حياة الملحدين في إيران.
الجمهورية الإيرانية لا تعترف بوجود الملحدين. ولا توجد أية إحصائيات رسمية عنهم، و الإحصائيات غير الرسمية لا تكون دقيقة؛ وبالتالي لا أحد يعرف النسبة التي يشكلونها داخل المجتمع الإيراني, والأكثر أسفًا هو أنه لا وجود لهم في نظر المجتمع الدولي. فإذا وقع ظلم على المسيحيين أو البهائيين، فإن ذلك يستدعي انتباه المحافل الداعمة لحقوق الإنسان, لكن “الملحدين” الإيرانيين لا يمثلون أقلية دينية ليستدعوا الانتباه، ومن ثم فمن السهل انتهاكهم والتعدي عليهم. ورغم كل هذا، يصرخ الملحدون الإيرانيون ويعلنون وجودهم من خلال المحادثات الساخنة في الدوائر الخاصة، والتعليقات الحادة على مواقع التواصل الاجتماعي، ونشر المقالات وآلاف الأساليب الأخرى.
“محمد” هو أحد الملحدين المقيمين في إيران. وحينما يُجبر على أداء صلاة الجماعة في مقر عمله، لا يعرف أي ممن يقفون بجواره ليسوا من المسلمين. في الحفلات الودية، لا يمكن تحديد ما إذا كان الشخص الذي يشرب الخمر إلى حد الموت، يرى نفسه مسلمًا أم لا؟ لكنه يعرف أن عليه أخذ الحيطة إذا تحدثت معه وتطرق الحديث إلى الدين. ورغم أن أغلب الإيرانيين يتعاملون معه باحترام فيما يخص الدين، إلا أن “الغضب المقدس من مسلم ثمل” قد يكون مزعجًا.
في بعض الأحيان لا يتعامل بحذر. على سبيل المثال قبل عدة سنوات، أخبر صديقته التي كانت تُصلي، أنه لا يؤمن بالله. وقد نام ليلًا في أحضانها كالمعتاد، ولكن في الصباح وحينما خرج من الحمام، أخبرته صديقته بوجه عبوس أنه لا ينبغي عليه دخول الغرفة حتى يجف جسمه المبتل تمامًا لأنها لا ترغب في أن يصبح بيتها “نجسًا”.
محمد يعيش في بلد حيث الصراع جزء من روتين الحياة اليومي. سواء في اسمه أو في علاقاته العاطفية أو الأيديولوجية والدينية. على سبيل المثال، لدى الحكومة الإيرانية علاقات قوية بالحزب الشيوعي الصيني الذي يرسل المسلمين الأويغور إلى معسكرات خاصة لترك الإسلام. ولكن نفس هذه الحكومة تعتقد أن عدم إيمان الإيرانيين هو جرم لا يُغتفر. وفق تقرير الاتحاد الدولي الإنساني والأخلاقي (IHUE)، تعتبر إيران واحدة من سبع دول قد يتعرض فيها أشخاص مثل محمد لعقوبة الإعدام. وفي تقرير مشابه في يونيو 2017، أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، انتشار الإلحاد في إيران وقمع النظام الإيراني للملحدين على نطاق واسع.
يرى بعض الأشخاص ووسائل الإعلام أن التحول إلى الإلحاد في إيران بمثابة تسونامي الإلحاد واللادينية. إنهم يعتقدون أن ممارسات النظام هي ما دفعت الشعب إلى الهروب من الدين الإسلامي، ورغم هذا لا يمكن افتراض صحة هذه النظرية أولًا لأن الإلحاد كان منتشرًا في إيران حتى قبل الثورة، وأن أكبر حزب غير حكومي قبل الثورة، كان هو حزب توده العلماني. ثانيًا أن التحول إلى الإلحاد لا يقتصر على إيران فحسب، بل الأمر منتشر على مستوى العالم أجمع. إن ارتفاع مستوى التعليم وتطور الإنترنت مرتبط بتزايد الإلحاد بين كافة أتباع الديانات في العالم. على سبيل المثال تعتبر مناظرة “ريتشارد دوكينز” و”سام هريس” و”دانيل سي. دونت” و”كريستوفر جيتشينز” عام 2007 هي أول ثورة إلحادية في العالم. ومن ناحية أخرى، فإن التوجه إلى الإلحاد بشكل عام آخذ في الازدياد في دول الشرق الأوسط. وفق تقرير “عرب بارومتر”، ازداد عدد الملحدين في الدول العربية من 8% عام 2013 إلى 13% عام 2019. ووفق هذا التقرير، تراجعت الاعتقادات الدينية في لبنان نحو 43% خلال 10 سنوات، وكان ربع اللبنانيين فقط هم من يعتبرون أنفسهم متدينين عام 2019. على هذا النحو، ورغم أن التدين المتطرف للحكومة الإيرانية قد ساهم في نفور الناس من الدين، إلا أنه لا يمكن اعتباره السبب الوحيد أو حتى الرئيسي في انتشار الإلحاد في إيران. ومهما كانت أسباب انتشار الإلحاد في إيران، فلا يمكن إنكار وجوده. لكن السؤال الرئيسي يتمثل هنا في مدى انتشاره، فعدد الملحدين في إيران هو الذي يحدد مقدار الدعم الذي يجب تقديمه لهم.
يُعَّد استطلاع الرأي لمؤسسة “غمان” الذي تم إجراؤه في مايو 2020 هو أحد التقارير الإحصائية المحدودة حول الدين في إيران. وقد شارك فيه عبر الإنترنت نحو 50 ألف متعلم فوق 19 عام، منهم 90% من المقيمين في إيران. وبالطبع لا شك في صحة هذا الاستطلاع. فمن ناحية، لا يرغب أغلب الأشخاص في الاعتراف بإلحادهم وحتى دون الكشف عن هويتهم. ومن ناحية أخرى، فإن المتعلمين الذين يستخدمون مواقع الإنترنت، لا يمثلون المجتمع الإيراني بأكمله. ويبدو أن التوجه صوب الدين يزداد بين القرويين والفئات الأقل تعلمًا. على أية حال، وفي ظل الفراغ الإحصائي الموجود، فإن هذا الاستطلاع هو أساس دراستنا.
وفق هذا التقرير، فإن 78% من الإيرانيين يؤمنون بالله، بينما لا يؤمن نحو 20% بما وراء الطبيعية (أي البعث بعد الموت وما إلى ذلك). ووفق هذا الاستطلاع، هناك 20% من الشعب الإيراني من الملحدين. وهذا الرقم أكبر من أي أقلية دينية أخرى بما في ذلك أهل السنة الذين يشكلون 10% على الأكثر من سكان البلاد. إن سوء معاملة الحكومة الإيرانية لهذه الفئة، هو أمر مفهوم، ولكن سبب عدم تقبل الملحدين لأيديولوجيات الحكومة الإيرانية، وسبب عدم تقبلهم على مستوى العالم، أو سبب الاهتمام بالأقليات الدينية أكثر منهم، هو لغز لم يتم حله بعد. فهل هناك فارق بين حقوقهم ودرجة إنسانيتهم أو لون دمائهم عن المؤمنين من أتباع الديانات المختلفة؟
ربنا ترجع أحد أسباب عدم دعم الملحدين الإيرانيين إلى عدم انتمائهم لجماعة محددة. إن اعتقال أحد أعضاء فرقة صغيرة إلى حد ما مثل المتصوفة، هو أمر ينعكس على كافة أعضاء الفرقة، بينما إذا ارتد مسلمًا، لا أحد يدعمه، بل يتم النفور منه في محيط أسرته وأصدقائه أو يتم ممارسة الضغوط عليه من أجل التوبة الصورية على الأقل. “سينا دهقان” هو شاب إيراني اعتقلته عناصر الحرس الثوري بتهمة إهانة نبي الإسلام، وحُكم عليه بالإعدام. وكان لأصدقائه مصير مشابه. فقد حُكم على “محمد نوري” بالإعدام، وعلى “سحر الياسي” بالسجن لمدة 7 سنوات. وقد غطت وسائل الإعلام ما حصل لهم كدعم للأقليات الدينية حينما زُعم خطأً أنهم تحولوا إلى المسيحية.
قد يكون عدم التمتع بهوية محددة، سبب آخر لعدم الاهتمام بالملحدين. فأتباع الديانات الأخرى، لديهم ملابسهم وطقوسهم الخاصة، ويتواجدون في المعابد والكنائس والمساجد؛ بينما لا يحظى الملحدون بمثل هذه الأمور. إنهم منتشرون على مستوى المجتمع، ولكنهم غير مرئيون. إن الأقليات الدينية تشبه القطرات الملونة، فإذا سقطت قطرة منها في كوب، تظهر ولو بكميات قليلة. في حين يشبه الملحدون المياه غير الملونة، ولا يكون تعقبهم بالأمر السهل. ورغم هذا، فإن عدم تميزهم لا يقلل من درجة إنسانيتهم. الملحد يشعر بالخوف والألم واليأس. وحياته لها قيمتها. كما يجب أن يتمتع بحقوقه الأساسية كإنسان بما في ذلك حقه في “الظهور”.
إن حاجة محمد إلى الظهور هي ما دفعته إلى كتابة اسمه الحقيقي (دون ذكر لقب العائلة) وليس المستعار على مقالاته خلافًا للمعتاد. وهناك مثله الكثيرون ولا يمكن تحديد هوية أي منهم. إن انتشار مثل هؤلاء الملحدين في إيران، واسع النطاق لدرجة أنه يمكن لمحمد الظهور باسمه الحقيقي في هذا المقال.
في الوقت الراهن، لم يعد يهمنا ما إذا كانت الحكومة الإيرانية تعترف بالملحدين رسميًا أم لا. فالمهم أن تواجدهم بات طبيعيًا بالتدريج. ولم يعد الحديث عن الإلحاد واللادينية أمرًا محرمًا كما كان في السابق، بل تعلمت الأديان الأخرى تقبلهم.
لقد سألت محمد عما إذا كان قد انفصل عن حبيبته بعد أن أخبرته ضمنيًا أنه نجس، فأجاب: “لا، وفي كل مرة أخرج فيها من الحمام أمضي بأقدامي المبتلة في المنزل، وهي بدأت تعتاد الأمر”. محمد موجود ويثبت وجوده بأي طريقة كانت؛ حتى عبر التحرك بأقدامه المبتلة على أرضية الباركيه في منزل صديقته.
إرسال تعليق