فرامرز داور
لماذا تقوم الدول الأخرى دومًا باتهام الجمهورية الإيرانية منذ بداية تأسيسها وحتى يومنا هذا بالتدخل في الشؤون الداخلية للآخرين؟ لماذا لم يكن لإيران مثل هذه المكانة في عهد محمد رضا بهلوي؟ ألم يكن لدى الشاه طموح لتصبح إيران القوة الأولى إقليميًا؟ لماذا تقول حكومة دونالد ترمب إن الجمهورية الإيرانية ليست نظامًا طبيعيًا؟ كيف ينظر دول الجوار والدول الأخرى إلى النظام الحاكم في إيران؟ ولماذا؟ وما الوضع القانوني لفيلق القدس والجماعات بالوكالة في الدول المجاورة؟ حاول موقع “إيران واير” الإجابة عن هذه التساؤلات في سلسلة “الظلال الظاهرة والخفية لدولة جارة”.
في هذا التقرير نلقي نظرة على كيفية تشكيل فيلق القدس كوحدة تابعة للحرس الثوري خارج إيران، وأول تأثير له في الدول الأخرى.
“فيلق القدس ومقاومة البسيج هما قوتان أضافهما المرشد الإيراني [إلى هيكل الحرس الثوري الإيراني]” (من كتاب روایتی از زندگی، وزمانه آیتالله هاشمی رفسنجانی، تأليف جعفر شير علي نيا، نقلًا عن تصريح القائد العام للحرس الثوري محمد علي جعفري 2008-2010م)
“يواجه فيلق القدس مشكلة حقيقية في الوقت الراهن، وهي أنه حرم وزارة الخارجية من ممارسة مسؤوليتها في أكثر المناطق حساسية. حقًا إننا نواجه مشكلة في العراق وسوريا ولبنان وأفغانستان واليمن وحيثما يكون فيلق القدس، حيث لا يمكن تعيين سفير في هذه البلدان دون موافقة فيلق القدس.” (من كتاب روایتی از زندگی، وزمانه آیت الله هاشمی رفنسجانی، تأليف جعفر شير علي نيا)
يحدد هذان التصريحان إلى حد ما كيفية تشكيل فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، لكن التقرير الذي نُشِر في صحيفة “آيندگان” في 11 يونيو 1979م يحدد أسس تشكيل فيلق القدس خارج الحدود الإيرانية على نحو أفضل: ” في مطار مهر آباد، مُنِع 550 شخصًا من الخروج، وذكرت شرطة المطار للصحفيين أن بعض هؤلاء الأشخاص ممن كانوا يعتزمون المشاركة في الاحتفال باستقلال ليبيا، لم يكن لديهم تأشيرة للمرور من دولة ثالثة، ولم يكن لدى بعضهم جواز سفر من الأساس، وكانوا من البحرين ودول أخرى، حيث كان عدد منهم يرغب في ركوب الطائرة برفقة بنادقهم.
وقد ذكر المتحدث الرسمي باسم الحرس الثوري الإيراني أن محمد منتظري الذي يتولى زعامة المسافرين شكل تنظيمًا مسلحًا لنفسه، ووضع عليه ختم الحرس الثوري، بينما لا يتحمل الحرس الثوري أي مسؤولية تجاه أعمال هذا الشخص.” (من كتاب داستان آيندگان تأليف محمد قائد)
يعتبر محمد منتظري الذي قُتل في يوليو 1981م خلال تفجير المكتب المركزي لحزب الجمهورية الإسلامية مؤسس وحدة “حركات التحرر” في الحرس الثوري الإيراني، والذي كان يمثل نواة تشكيل فيلق القدس كوحدة تابعة للحرس الثوري خارج الحدود الإيرانية.
تواجه الجمهورية الإيرانية منذ بداية تأسيسها اتهامًا بالتدخل في الشؤون الداخلية لدول الجوار، لقد دخلت المادة الثالثة من الدستور الإيراني، والتي تمثل انعكاس شعار تصدير الثورة حيز التنفيذ عبر تأسيس وحدة حركات التحرر التابعة للحرس الثوري.
أسس الحرس الثوري الإيراني في أولى إجراءاته خارج الحدود الإيرانية حزب الله اللبناني بمساعدة ميليشيات شيعية في الأشهر الأولى من استقرار الجمهورية الإيرانية.
وترجع ذروة نشاط فيلق القدس في لبنان إلى الحرب الإسرائيلية اللبنانية التي استمرت لـ 33 يومًا، والتي وقعت في يوليو 2006م، حيث تكبد الطرفان خسائر فادحة.
وقد صرح قائد فيلق القدس قاسم سليماني حول حرب الـ 33 يومًا قبل عدة أشهر من اغتياله خلال عمليات أمريكية بالطائرات المسيرة في العراق: “إن المعبر الحدودي من لبنان إلى سوريا كان عرضة للقصف باستمرار من قبل طائراتهم. فجاءني عماد مغنية ونقلني من سوريا إلى لبنان عبر طريق آخر حيث قطعنا جزءًا من الطريق سيرًا على أقدامنا، وقطعنا الجزء الآخر من الطريق بالسيارة. في ذلك الوقت كانت الحرب ما زالت ترتكز على المباني الإدارية لحزب الله، وبينما كان الأسبوع الأول ينقضي، أصروا في طهران أن آتي لأقدم توضيحات حول الأمر.”
يقول سليماني: “لقد ذهبت وعدت من طريق فرعي. في الواقع، كان المرشد الإيراني آنذاك في مشهد، وقد ذهبتُ إليه في الاجتماع الذي حضره رؤساء السلطات الثلاث والمسؤولون الرئيسيون الأعضاء في مجلس الأمن القومي، وكان أغلبهم مختصين في القطاعات الأمنية والاستخباراتية.”
وقد صرح قائد فيلق القدس آنذاك: “لقد كنتُ في لبنان، وكنتُ أرسل التقارير إلى طهران يوميًا عبر خط آمن، وعلى هذا النحو كان المسؤولون على اطلاع كامل بالوضع الميداني، ولم يتوانَ أحد داخل النظام عن تقديم الدعم لحزب الله سواء كان دعمًا معنويًّا أو دعمًا ماديًّا، أي تزويده بالأسلحة والمعدات والإمكانات والتغطية الإعلامية، وكل ما هو في إطار القدرات الإيرانية.”
إن تأسيس وتجهيز حزب الله اللبناني والتعاون معه، هو أول وجود رسمي للحرس الثوري الإيراني خارج الحدود الإيرانية. لكن أول وجود لفيلق القدس في معركة خارجية لم يكن في لبنان، بل كان في دولة أوروبية.
حرب أوروبا، أول تجربة لفيلق القدس
شكلت البوسنة والهرسك في قلب أوروبا أول وجود لقوات فيلق القدس في معركة خارج الحدود الإيرانية. كانت حرب البوسنة بمثابة معركة دولية مسلحة جرت بين مسلمي البوسنة وصربيا التابعة ليوغوسلافيا السابقة، في الفترة ما بين أبريل 1992م وحتى ديسمبر 1995م، والتي انتهت بمقتل 100 ألف مسلم من البوسنة.
لقد أرسلت إيران منذ بداية الاشتباكات وحتى نهاية الحرب العديد من قواتها إلى البوسنة، بما فيهم العميد محمد رضا نقدي، وحسين الله كرم من قادة أنصار حزب الله، وقد قُتل ثلاثة على الأقل من القوات العسكرية الإيرانية خلال حرب البوسنة، ومع فشل المساعي الدبلوماسية لإخماد نار الحرب، طالب صباح زنغنه ممثل الجمهورية الإيرانية في منظمة المؤتمر الإسلامي بإلغاء حظر التسليح في المنطقة لمساعدة مسلمي البوسنة.
بعد فترة قصيرة من هذا الطلب وصلت إلى البوسنة قوات فيلق القدس بقيادة العميد أحمد وحيدي وحزب الله اللبناني. كان أحمد جنتي هو ممثل خامنئي في البوسنة، وكان العميد محمد رضا نقدي، والعميد مصطفى ربيعي هما القادة الميدانيون لفيلق القدس في البوسنة. وبحسب التقرير الذي نشرته مصادر في الحرس الثوري فقد لعب فيلق القدس دورًا فعالًا في تمكين القوات الشعبية لمسلمي البوسنة.
كان إرسال أسلحة من إيران إلى أوروبا، ونقل قوات المتطوعين من الجنسيات المختلفة وتنظيمها من أجل القتال في البوسنة، وتدريب مواطني البوسنة والمقاتلين المتطوعين داخل إيران، من ضمن أنشطة فيلق القدس فيما يتعلق بالبوسنة.
في هذا السياق، وبعد مرور ثلاثة عقود على نهاية حرب البوسنة، ادعى العميد المتقاعد بالحرس الثوري الإيراني سعيد قاسمي أن قوات الحرس الثوري قد دربت القوات الجهادية في البوسنة والهرسك تحت غطاء جمعية الهلال الأحمر، كما تعاونوا مع أعضاء تنظيم القاعدة في أوروبا خلال الحرب.
وقد أُدرِج اسم تنظيم القاعدة ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية لوزارة الخارجية الأمريكية بعد أربع سنوات من انتهاء حرب البوسنة.
أفغانستان هي أول وجود لقاسم سليماني خارج الحدود الإيرانية
يعود تاريخ وجود فيلق القدس في أفغانستان إلى العمل مع “المجاهدين” الأفغان الذين كانوا ناشطين ضد الوجود العسكري للاتحاد السوفيتي آنذاك، وقد أسفر هذا النشاط خلال هجوم أمريكا وقوات التحالف على طالبان عن تعاون فيلق القدس مع الولايات المتحدة.
تزامن هذا الوجود مع تغيير القيادة من أحمد وحيدي إلى قاسم سليماني. كان سليماني آنذاك قائداً لفيلق 41 المعروف باسم “ثأر الله” في مقاطعة كرمان، وكان نشاطه الرئيسي بعد الحرب هو قمع الممارسات التي كانت تتم في جنوب شرق إيران أي بالجوار من باكستان، وتذكر مصادر الحرس الثوري الإيراني أن أفغانستان كانت أول مهمة خارجية لسليماني.
عقب مقتل قاسم سليماني على يد أمريكا في العراق خلفه العميد إسماعيل قاآني، والذي كان نشاطه الرئيسي السابق في أفغانستان. وبعد فترة قصيرة من تعيينه تم تداول صور للقاء سري بين إسماعيل قاآني وبين محمد طاهر زهير حاكم ولاية باميان الأفغانية، ولكن المسؤولين الأفغان لم يكونوا على دراية بالهوية الرئيسية لإسماعيل قاآني، وذكروا أنه تم تقديمه إليهم كمساعد السفير الإيراني في أفغانستان، وأن اللقاءات التي جرت بينه وبين المسؤولين الأفغان تمت بهذه الهوية الزائفة.
العراق هو الطريق الرئيسي إلى القدس
يجب اعتبار العراق هو السبب الرئيسي لتشكيل فيلق القدس. يشير اسم هذا الفيلق إلى قبلة المسلمين الأولى في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة خلال الحرب الإيرانية العراقية التي استمرت ثماني سنوات، كان أحد شعارات الجمهورية الإيرانية: “الطريق إلى القدس يمر عبر كربلاء”، وهذا يعني أن الوصول إلى القدس الذي اشتقوا منه اسم الفرع الخارجي للحرس الثوري يتطلب هزيمة صدام حسين في العراق.
بعد غزو قوات التحالف بقيادة أمريكا للعراق والإطاحة بصدام حسين، وصل فيلق القدس التابع للحرس الثوري الايراني، والذي كان يجهز أكراد العراق لمحاربة صدام إلى العراق لتقديم المساعدة العسكرية بشكل رسمي. لقد كان لإيران علاقات خاصة بالجماعات الشيعية بما فيها حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة للعراقية، وقد أقام قادة هذه الجماعات في إيران خلال فترة حكم صدام، وتمتعوا بدعم الجمهورية الإيرانية.
في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق والذي أسفر عن سقوط صدام على الفور، كانت أولى مهام فيلق القدس في العراق عرقلة نمو فرع تنظيم القاعدة في العراق بقيادة أبي مصعب الزرقاوي، وقد توسعت هذه المهمة لتصل إلى الحد من وجود القوات الأمريكية بالعراق.
تمثلت ذروة هذه السياسة والتأثيرات الإيرانية على العراق وقت توقيع الاتفاقية الأمنية والتعاون العسكري بين العراق وأمريكا في عهد رئاسة نوري المالكي للوزراء، في دعم إيران للشيعة، وكان تعديل الحصانة القضائية للقوات الأمريكية وتقييد إنشاء القواعد العسكرية الدائمة في العراق، هو نتيجة نفوذ فيلق القدس في العراق، وفي هذه الفترة، كانت أغلب أنشطة قاسم سليماني خارج الحدود الإيرانية في العراق.
وقد نتج عن هذه الفترة أيضًا تشكيل الحشد الشعبي وكتائب حزب الله اقتداءً بهيكل ميليشيات البسيج في الجمهورية الإيرانية، وبخلاف الوجود العسكري المباشر، كان سفراء إيران في بغداد أعضاء في فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني. في الوقت الحالي فإن السفير الإيراني في العراق هو القائد الذي يقدم التقرير الرئيسي لأنشطته إلى الفرع الخارجي للحرس الثوري وليس إلى وزارة الخارجية.
سوريا هي معبر الخبرات الجديدة لعام 2009م
تُعَّد سوريا أحدث ميدان لنشاط فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني
بعد بدء الاحتجاجات ضد سياسات “بشار الأسد” في سوريا، والتي اشتدت بالتوازي مع “الربيع العربي” عام 2012م، جاء فيلق القدس لمساعدة الأسد في قمع الاحتجاجات المحلية.
يقول المساعد السياسي لقائد الحرس الثوري الإيراني في الوثائق التي نشرها: “لقد كان فيلق القدس موجودًا في سوريا منذ القدم، وكانت علاقة فيلق القدس بسوريا قبل الأزمة تتمثل في دعم جماعات المقاومة في لبنان وفلسطين، ولم يكن هناك تعاطٍ واسع مع نظام دمشق، ومع وقوع الأزمة، تم توفير الأساس لمزيد من العلاقات بين فيلق القدس وهياكل الدولة السورية بدءًا من الحكومة والجيش وحتى المؤسسة الرئاسية.”
كانت هذه العلاقات متداخلة إلى درجة أنه عقب بيع الأزمة السورية، تم استدعاء بشار الأسد إلى طهران دون دعوة من نظيره الإيراني حسن روحاني، ولكن تم استدعاءه عبر قاسم سليماني ودون علم الرئيس الإيراني.
كان أول وجود لفيلق القدس في سوريا وفق رواية المساعد السياسي لقائد الحرس الثوري الإيراني هو وجود توجيهي استشاري تدريبي، فقد قام خبراء القوات الشرطية بالتنسيق مع مسؤولي فيلق القدس بتدريب الشرطة السورية على التعامل مع أعمال الشغب في الشوارع. يقول المساعد السياسي لقائد الحرس الثوري الإيراني: “إن عجز إمكانات الشرطة السورية كانت إحدى المشاكل التي صعّبت عليهم إدارة الأزمة، ولهذا السبب أُتيحت هذه الإمكانات لهم في المراحل الأولى.”
ووفق روايات الحرس الثوري، كان إيفاد الضباط السوريين إلى إيران بهدف تدريبهم على إدارة الأزمات وكسب خبرات استخبارية أمنية في ظروف الأزمة كأحد الإجراءات الاستشارية لفيلق القدس، وجاء هذا التعاون بعد تجربة إيران في قمع الاحتجاجات على نتائج الانتخابات الرئاسية عام 2009م، ويبدو أنه تم تنفيذ هذا القمع بطريقة مماثلة في سوريا.
اتخذ فيلق القدس في سوريا إجراءات مماثلة للعراق ولبنان، وقام بتشكيل جماعتين من الميليشيات من المواطنين الأفغان والباكستانيين ويُقال إنهم كانوا من المهاجرين في إيران.
إرسال الأسلحة إلى غزة عبر أنفاق صحراء سيناء
في سبتمبر 2009م، وخلال المعركة التي استمرت لمدة ثلاثة أسابيع، والتي بدأتها إسرائيل بغارة جوية على غزة، وقوبلت برد من صواريخ حماس تولى فيلق القدس إدارة غزة، وقد أكد الحرس الثوري الإيراني بعد مرور عشر سنوات على هذه المعركة أن فيلق القدس قام بتعزيز البنية العسكرية لحركة حماس والجهاد الإسلامي، وتزويدهم بالأسلحة عبر إرسال أجزاء مختلفة من الصواريخ إلى داخل قطاع غزة.
ونظرًا لحصار غزة، قام فيلق القدس بنقل هذه الشحنات عبر السودان والأراضي المصرية، وتم إدخالها إلى غزة بشكل سري عبر الأنفاق المحفورة تحت الأرض في صحراء سيناء، وتم تسليمها إلى الفلسطينيين.
يقول الموقع الإلكتروني للمكتب السياسي للحرس الثوري الإيراني: “إن عملية تسليح حماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة زادت بشكل ملحوظ خلال حرب الأيام الثمانية. أثناء هذه الحرب، التي بدأت في نوفمبر 2012م، تم الإعلان رسميًا ولأول مرة عن وضع فيلق القدس صواريخ فجر 5 المتقدمة تحت تصرف الفلسطينيين.”
وقد صرح القائد العام للحرس الثوري الإيراني آنذاك محمد علي جعفري: “إننا لم نرسل هذه الصواريخ بشكل مباشر إلى غزة، بل قمنا بنقل تقنيتها من إيران إلى المقاومة، وباتوا هم ينتجون عددًا لا نهائيًّا من هذه الصواريخ.
إرسال تعليق