فاطمة العثمان – لبنان
اغتيل رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري في 14 شباط 2005م، بعد انفجار ما يقارب ألف كيلوغرام من مادة ال تي إن تي أثناء مرور موكبه في منطقة سان جورج في بيروت، وأودى التفجير بحياة 21 شخصاً مع الحريري من بينهم وزير الاقتصاد اللبناني الأسبق باسل فليحان.
أجج مقتل الحريري حركة شعبية رافضة لبقاء الجيش السوري في لبنان، عززها اتهام النظام السوري بمقتله، واجتاحت البلاد حينها مظاهرات احتجاجية أطلق عليها “ثورة الأرز” اندلعت في 14 آذار 2005م، مطالبة برحيل الجيش السوري، بموجب قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1559 الذي صدر في 2 أيلول/ سبتمبر 2004م. القرار دعم إجراء انتخابات الرئاسة اللبنانية بشكل حر وعادل، وطالب جميع القوات الأجنبية بالانسحاب من لبنان.
وكان الجيش السوري انتشر على الأراضي اللبنانية بموجب اتفاق الطائف عام 1989م الذي تم بين القوى السياسية اللبنانية لإنهاء الحرب الأهلية التي اندلعت منذ العام 1975م، تحت مسمى قوات الردع العربية.
في المقابل نظم حزب الله في الثامن من آذار عام ٢٠٠٥م مظاهرة تحت عنوان ” شكراً سوريا “، رفع مناصروه أثناءها صور لرئيس النظام السوري بشار الأسد.
هذه الاحتجاجات التي قسمت الشارع إلى قسمين، انتقلت إلى المستوى السياسي وانبثق عنها ولادة فريقين سياسيين.
الفريق الأول هو فريق الثامن من آذار المؤلف من حزب الله، وحركة أمل، وحزب التوحيد، وتيار المردة، والحزب الديمقراطي، والحزب الشيوعي، وانضم إليهم فيما بعد التيار الوطني الحر منتقلا من تيار 14 آذار بعد توقيع ورقة تفاهم مع حزب الله، وهو المحور الموالي لإيران.
والفريق الثاني هو فريق الرابع عشر من آذار ويضم تيار المستقبل، وحزب القوات اللبنانية، والحزب التقدمي الاشتراكي، وغيرها من الأحزاب المدعومة من الغرب والمناهضة للنظام الإيراني.
سيطرة حزب الله على منافذ الدولة
خلال فترة حكم رفيق الحريري كانت أطراف القوى اللبنانية مقسومة بين تياره وتيار حزب الله، لذلك فإن مقتله أخلى الساحة اللبنانية لحزب الله الذي تعاظم نفوذه شيئاً فشيئاً بعد الاغتيال.
تمكن الحزب بشكل تدريجي من تعزيز منظومة الأسلحة الخاصة به، وتحول سلاح حزب الله بعد اغتيال الحريري إلى جدل سياسي، حيث بدأت المطالبات الشعبية والسياسية بنزع سلاحه، وهو ما رفضه الحزب بشدة واعتبره خطا أحمر.
فرض حزب الله سيطرته على مرافق الدولة اللبنانية الرئيسية كمطار رفيق الحريري الدولي، ومرفأ بيروت، والمعابر غير الشرعية التي تربط لبنان بسوريا، فقد وثق النائب في البرلمان اللبناني نديم الجميل كيفية تحكم حزب الله بحركة المسافرين وعمليات الشحن التي تتم داخل المطار من خلال كتاب رسمي نشره في تغريدة على تويتر مبعوث من قائد جهاز أمن المطار العميد جورج دومط إلى قائد سرية درك المطار، وتضمن الكتاب المغالطات التي تحصل في حرم المطار. أما فيما يخص المعابر غير الشرعية فقد أشار عميد متقاعد في الجيش اللبناني، فضل عدم الكشف عن اسمه لـ ” إيران واير” أن حزب الله يسيطر على معظم المعابر غير الشرعية التي تربط لبنان بسوريا، مؤكداً أن عمليات تهريب البضائع، والمخدرات، والأسلحة التي تتم بين سوريا ولبنان، والتي يشرف عليها حزب الله تتم عبر هذه المعابر.
في العام 2007م، اتخذت حكومة الرئيس فؤاد السنيورة قراراً بإزالة كاميرات المراقبة وكابلات الاتصالات التي كان حزب الله قد وضعها مقابل مطار رفيق الحريري الدولي، هذا الأمر لم يرق حينها لحزب الله، فقام مناصروه في 7 أيار بغزو مدينة بيروت بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، وأزالوا صور سعد الحريري نجل رفيق الحريري، وانتهت الفوضى التي أثيرت حينها باتفاق الدوحة الذي عقد في العاصمة القطرية، وتم على إثره انتخاب العماد في الجيش اللبناني ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، لكن هذا لم يغير المكتسبات التي حصل عليها حزب الله.
الدكتور الجامعي والباحث غسان عبد القادر أشار لـ”إيران واير” أن اغتيال الحريري كان له تداعيات سياسية كبيرة ليس على مستوى لبنان فحسب، بل على مستوى المنطقة، فالحريري جزء من مشروع عربي كبير، ومقاربة معينة لحل الأزمات والقضايا العربية التي كان يمثلها رفيق الحريري الذي كان يسمى “الطائف الناطق” نسبة لاتفاق الطائف الذي تم نتيجة توافق سعودي سوري أميركي على أرض الواقع في لبنان، وأضاف الدكتور: ” إن اغتيال الحريري كان نوعاً من القضاء على اتفاق الطائف ومكوناته، وفتح الباب أمام مشروع مغاير، قد يكون جزءاً من المشروع الإيراني، فإزاحة رفيق الحريري من المشهد اللبناني سمحت وسهلت تمرير المشروع الإيراني من جهة، وتعزيز سلطة حزب الله من جهة أخرى، ومن اغتال الحريري الجهات المتضررة من وجوده.” ويوضح الدكتور في العلوم السياسية أن العلاقات الدولية والتاريخ السياسي يوضحان أن التخلص من مسؤول بارز معين كان يغير المسار السياسي وحتى التاريخي في المجتمعات، الأمر الذي ينطبق على الوضع اللبناني من العام 2005م إلى الآن حيث شهدنا تراجعاً للقوى المناهضة لحزب الله مقابل تقدم وسيطرة حزب الله وخلفه المشروع الإيراني على مفاصل البلد، والدولة، والمجتمع في لبنان.
بعد اغتيال الحريري، شهد لبنان ثلاثة انتخابات نيابية، فاز فيها أول مرتين فريق 14 آذار بالأكثرية عامي 2006م و2009م، إلا أن الفوضى في البلاد ازدادت وتيرتها على أثر ما يحصل في
سوريا عززت الانقسام، ما اضطر المجلس النيابي للتجديد لنفسه لثلاث ولايات وسط تنازع على اسم رئيس الجمهورية القادم، ليتم عقد تسوية بين الحريري وعون عام 2016م بعد أن قام حزب الله بتعطيل المجلس لمدة عامين، وضغط على الحريري للقبول بعون، الأمر الذي أدى لخسارة الحريري لجزء كبير من قاعدته الشعبية، وفي العام 2011م، خسر الحريري وحلفاؤه الأكثرية النيابية بعد قبولهم بالقانون النسبي الذي تمت الانتخابات على أساسه بتنسيق بين وزير الخارجية السابق جبران باسيل ومستشار الحريري نادر الحريري، ليسيطر حزب الله وحلفاؤه على البرلمان اللبناني.
المحكمة الدولية ووضع لبنان الدولي
في العام 2011م، أصدرت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، والتي من شأنها النظر في قضية اغتيال رفيق الحريري والاغتيالات السياسية التي حصلت في لبنان قرارها الظني، واتهمت أربعة عناصر من حزب الله وهم: سليم جميل عياش، ومصطفى أمين بدر الدين، وحسين حسن عنيسي، وأسد حسن صبرا، وقد صدرت بحقهم جميعا مذكرات توقيف غيابية في 30 حزيران/يونيو 2011م، وما زالوا مختفين حتى اليوم وسط الحديث عن مقتل بدر الدين في سوريا. يقول الدكتور في القانون الدولي طارق شندب لموقعنا: ” إنه في حال استمر حزب الله في إخفاء المجرمين، سيصدر حكم غيابي بحقهم، وسيدانون بالجريمة”، وسيوضع حزب الله على لوائح الإرهاب بموجب قرار المحكمة. ومجلس الأمن الذي لم يصنفه حزباً ارهابياً حتى اللحظة سيعتمد القرار.
من جهته، يرى المعارض اللبناني والكاتب الصحفي عماد قميحة أن مشروع التمدد الإيراني في المنطقة يقوم بشكل أساسي على إفراغ الدول التي يتمدد فيها من مفهوم الدولة تماما كما يحصل في العراق ولبنان ويضيف: ” رفيق الحريري كان يعمل على ترميم ما تبقى من الدولة، وهذا الأمر شكل خطراً على النفوذ الإيراني.”
ويتابع: ” اغتيال الحريري شكل فرصة ذهبية أمام ما كان يعرف بقوى 14 آذار للعبور نحو الدولة، ولكن للأسف فضلت تلك القوى مراعاة مصالحها الضيقة ومكاسبها الحزبية على المشروع الكبير، الأمر الذي سمح لحزب الله بضرب ما يسمى 14 آذار، وهذا ما أدى لانفراط عقد الدولة اللبنانية، فنما الفساد والمحسوبيات بشكل أكبر، وتوج المشروع بوصول ميشال عون وطموحاته العائلية إلى سدة الرئاسة مما زاد الطين بلة، والمعادلة في لبنان هي كالتالي: كلما زاد ضعف الدولة، زاد النفوذ الإيراني في لبنان والعكس صحيح.”
وكان الرئيس رفيق الحريري الذي اشتهر بعلاقاته الدولية وتأثيره الكبير قد أبلغ أمين عام حزب الله قبل اغتياله بيومين أن الرئيس الفرنسي حينها جاك شيراك سيمنع تصنيف حزب الله إرهابياً بحسب شهادة مستشار الحريري مصطفى ناصر أمام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
إرسال تعليق