شاهد علوي – إيران واير
من هم الكولبار؟ ما العمل الذي يقومون به حتى يعرضوا أرواحهم للخطر بهذه الصورة؟ ولماذا يعملون في العتالة في حين “أنهم يُقتلون بصورة منتظمة”؟
ما المبادئ التي أقرتها القوانين الإيرانية حول مهنة الكولبار وأسلوب مواجهة ضباط حرس الحدود لهم؟ وماذا يقول المسؤلون الحكوميون حول ممتهني الكولبار؟
تطرقنا في هذا التقرير إلى الرد على هذه الأسئلة، والماهية والمخاطر والمجالات الاقتصادية لمهنة الكولبار، والمقررات والقوانين المتعلقة بها في إيران.
“بالاستناد إلى الإحصائية التي بحوزتنا، فقد لقي على الأقل 74 كولباراً كردياً مصرعهم في عام 2019 على حدود وطرق كردستان، وأُصيب 174 عتالاً. وهناك 50 قتيلاً من بين ممتهني الكولبار لقوا حتفهم بعد إطلاق قوات الأمن وحرس الحدود النار عليهم بصورة مباشرة، كما لقي 23 فرداً آخرون مصرعهم على إثر السقوط من فوق الجبل أو انهيار فبراير الجليدي، ومات فرد واحد على إثر تفجير الألغام.كما أن 144 فرداً من المصابين أصيبوا على إثر إطلاق نار مباشر من قبل قوات الأمن”.
كانت هذه الإحصائية من قِبَل “أرسلان ياراحمدي”، مدير “منظمة حقوق الإنسان هه نكاو” تأييداً لما أفاد به “أحمد شهيد” المقرر الخاص السابق لحقوق الإنسان في إيران قبل 8 سنوات، في المادة 64 من تقريره السنوي الذي نشره في 3 مارس 2012، وأسماه: “القتل المنظم للكولبار الأكراد في المناطق الحدودية الإيرانية”، وقد اطلع المقرر الخاص كذلك على القتل المنظم للكولبار والتجار، والأكراد الذين يعيشون في المناطق الحدودية.
واستلم المقرر الخاص تقارير تفيد بإطلاق ضباط الحدود النار على هؤلاء الأفراد، وبالتالي لقي عشرات الكولبارات مصرعهم أو أصيبوا وأحصنتهم على مدار السنة.
من هم الكولبار وما عملهم؟
يُطلق “الكولبار” على الشخص الذي يحمل البضائع غير المجمركة للتجار الإيرانيين من المناطق الحدودية في إقليم كردستان العراق إلى داخل إيران، وفي مقابل ذلك يحصل على أجرته بحسب وزن ونوع البضائع التي يحملها.
ينبغي على الكولبار أن يصلوا بهذه الحمولة التي تزن في المتوسط من 25 حتى 50 كيلو غراماً، وفي بعض الأحيان تكون حمولة الكولبار أثقل من هذا بكثير ينقلونها من المنطقة الحدودية في إقليم كردستان العراق إلى المنطقة الحدودية على الأراضي الإيرانية.
ويحمل الكولبار حمولاتهم على ظهورهم في مسارات قديمة تبلغ في المتوسط 10 كيلومتر، وفي بعض المناطق تكون المسارات أطول من ذلك.
يقول مهدوي خسروي الملاكم في فريق أميد الوطني الإيراني الذي يعمل مضطراً في مهنة الكولبار: “إن بعض المسارات تكون أطول بكثير، فالمسار الذي يسلكه الكولبار وهو يحمل على أكتافه الحمولة في معبر تته على حدود مريوان يبلغ تقريباً 19 كيلومتراً.
ويحصل الكولبار على أجرته بناءً على وزن الحمولة التي يحملها، وترتبط في العموم بمعدل التضخم في إيران وقيمة العملة الوطنية الإيرانية، وتتفاوت إلى حد ما أيضاً بحسب المناطق الحدودية المختلفة للكولبار.”
في وقت كتابة هذا التقرير، فإن الكولبار الذين تحدثتُ معهم يقولون: إن الأجرة تتوقف على نوع وقيمة الحمولة، ومسار حمل البضائع وموسم العمل، وتتراوح هذه الأجرة بين 6 آلاف حتى 12 ألف تومان (37 سنت حتى 88 سنت) لكل كيلو من وزن الحمولة.
وبالتالي، لو كانت هناك حمولات للشحن يمكن للكولبار أن يوصل شحنة واحدة يومياً، ويحصل على أجر يتراوح بين 125 حتى 350 ألف تومان (من 10 إلى 25 دولار أمريكي). ويحصل الكولبار في أفضل الأحوال على أجرة تتراوح بين 300 حتى 600 ألف تومان (22 حتى 44 دولار).
لكن النقطة الأهم هي أن صافي دخل الكولبار أقل أيضاً من الأرقام المذكورة، ويجب على الكولبار أن يطوي المسار من محل إقامته إلى المنطقة التي يجب أن يبدأ منها السير لعبور الحدود بسيارة، وكذلك في العودة من نقطة توصيل الحمولة حتى محل إقامته، ويتحمل هو نفقة ذلك.
يضيف مهدي خسروي: “إن مهنة الكولبار تقصم الظهر، فمثلا الكولبار الواحد لا يمكنه العمل إلا مرتين فقط في الأسبوع، وأحياناً لا يعمل لعدة أسابيع بسبب عدم وجود طلب على شحن البضائع.”
ووضح خسروي أن نسبة مئوية قليلة للغاية من الكولبار الذين يوصفون بأنهم وحوش ينقلون الحمولات عن طريق الأحصنة أو البغال، وأغلب الكولبار من بين الرجال، لكن منذ بضع سنوات اتجهت بعض النساء إلى هذه المهنة، ومن بين الكولبار يتراءى أطفال من 13 سنة حتى 65 سنة، وتُزاول مهنة الكولبار في المناطق الحدودية الإيرانية وإقليم كردستان العراق في المحافظات الثلاثة أذربيجان الغربية وكردستان وكرمانشاه.
الوصول إلى إحصائية دقيقة لعدد الكولبار في إيران مستحيل تقريباً، لأن مختلف المسؤولين الإيرانيين أعلنوا إحصائيات متفاوتة، وكذلك ليس واضحاً على أي أساس تحددت هذه الأرقام. قبل حوالي عامين في يناير 2018 كان محافظ أذربيجان الغربية “محمد حسين شهرياري” قد صرح بأنه صدر لممتهني الكولبار 50 ألف بطاقة إلكترونية لعبور الحدود (تصريح رسمي للكولبار)، وقبل بضعة شهور من ذلك أيضاً، وفي أغسطس 2017م، كان قد أعلن “رسول خضري” عضو اللجنة الاجتماعية بالبرلمان الإيراني بأن عدد الكولبارات وصل إلى 70 ألف فرد.
وأعلن “محمد دهقان” المدير السابق لهيئة الصناعة والتعدين والتجارة بأذربيجان الغربية في يوليو 2019 أن عدد البطاقات المفعلة للكولبار في تلك المحافظة هو 4800 فرد. وكان مساعد تنسيق الشؤون الاقتصادية والموارد البشرية بمحافظة كردستان “حسين فيروزي” أعلن في يونيو 2018 بأن عدد البطاقات المفعلة للكولبار في تلك المحافظة يبلغ 68 ألف بطاقة.
ويطرح موقع “تحليل بازار” إحصائية للكولبارات العاملين على الحدود في فبراير 2020 تفيد بأن عددهم يبلغ حوالي 4 آلاف فرد، دون أن يحدد من أين حصل على هذا العدد؟ ونشرت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية صدا وسيما في يناير 2020م تقريراً يفيد بأن عدد الكولبارات بحسب إحصائية غير رسمية وصل إلى 20 ألف فرد.
وتفيد وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الرسمية إرنا، في يناير 2020 أن عدد الكولبارات في إيران بحسب الإحصائيات الرسمية يتراوح بين 80 و170 ألف فرد يزاولون مهنة الكولبار في مسارات قديمة يبلغ طولها حوالي 15 كيلومتراً.
وأعلنت وكالة أنباء ايلنا التي تديرها وزارة العمل والشؤون الاجتماعية الإيرانية إحصائية الكولبار في تقرير نشرته في يونيو 2019 تفيد بأن عدد الكولبارات 80 ألف فرد.
حمولة الكولبار هي البضائع الاستهلاكية للمواطنين، والبضائع التي بيعُها وشراؤها قانوني في إيران.
على حد قول علي رضا آشناكر مساعد محافظ كردستان في الشؤون السياسية والأمنية، يدخل إيران من معابر الكولبار في محافظة كردستان 89 نوعاً مختلفاً من البضائع والأغراض. بضائع مثل الشاي، والمواد الغذائية المعلبة، والتلفزيونات، وأجهزة التدفئة والتبريد مثل التكييف، والأقمشة، والأحذية، والملابس، وأدوات المطبخ، والأجهزة المنزلية، ومستحضرات التجميل، وإطارات السيارات، والهواتف المحمولة، ونادراً السجائر، والمشروبات الكحولية التي تعتبر مشروبات غير قانونية في إيران، وسعرها مرتفع، ويصعب نقلها، ويعاقب القانون على ترويجها وبيعها وشرائها بغرامة كبيرة للغاية وربما بالسجن، وبالتالي من الطبيعي ألا تكون جزءاً من البضائع التي ينقلها الكولبار.
ما المخاطر التي يواجها الكولبار؟
مهنة الكولبار محفوفة بالمخاطر، وعلى حد تعبير الكولبار الذين تحاورنا معهم تعني الخطو في طريق الموت، وبحسب إحصائيات منظمتي “هه نكاو” و”شبكة حقوق الإنسان في كردستان”، فإن إجمالي القتلى من عام 2015 حتى 2019 من بين ممتهني الكولبار كان 368 فرداً، وقد أصيب خلال هذه الفترة 595 كولباراً.
وكان مهدي خسروي قد لخص من قبل مخاطر مهنة الكولبار في حوار مع “إيران واير” في عدة جمل قائلًا: “لقد أطلقوا النار على كولبار أمام عيني، ومنهم من مات ومن أصيب أو أصبح معاقاً للأبد. لقد مات الكولبار أمام عيني من شدة البرد أو الإصابة بأعيرة نارية، أو الوقوع في الأودية، أو التجمد من البرودة؛ كل هذا يهدد أرواح الكولبار”.
لكن الكولبار أحياناً يُعتقلون بسبب الحمولة التي يشحنونها، ويتعرضون للضرب، ويرسلون حتى للمحاكمة، ويواجهون عقوبة السجن أو دفع غرامة نقدية، وتشير الإحصائيات إلى أن أهم خطر يواجه الكولبار هو الموت نتيجة التعرض لإطلاق أعيرة نارية مباشرة من قوات حرس الحدود الإيرانية، كما أن نواب البرلمان الإيراني حاولوا وضع قانون لمنع ذلك.
طبقاً للإحصائية المسجلة في مركز إحصائيات منظمة حقوق الإنسان هه نكاو في عام 2019، فقد “قُتل أو أصيب ما لا يقل عن 252 كولباراً وتاجر كرجي على حدود وطرق كردستان. من بين هذا العدد 76 فرداً لقوا مصرعهم، وأصيب 176 فرداً، وقد ارتفعت هذه الإحصائية مقارنةً بعام 2018، حيث تم تسجيل مقتل وإصابة 231 كولباراً”.
وتشير هذه الإحصائية إلى أن سبب مقتل 50 كولباراً وإصابة 144 آخرين في هذه الأثناء يعني أن 77 % منهم كان بسبب إطلاق أعيرة نارية بصورة مباشرة من قِبَل قوات حرس الحدود والأمن الإيرانية، وقُتل كولبار واحد على إثر انفجار ألغام وُضعت من قِبَل قوات الأمن الإيرانية، وأصيب 11 كولباراً آخرون، وأصبحوا معاقين للأبد بسبب هذه الألغام. وكان سبعة أفراد من بين هؤلاء الـ 50 كولباراً دون سن الـ 18.
وكانت الحوادث الطبيعية في عام 2019 سبباً في موت عدد من الكولبارات، وتتنوع هذه الحوادث بين انهيار فبراير الجليدي، والسقوط من قمة الجبل، أو التجمد في الثلوج، كلها كانت سبباً في مقتل 23 كولباراً وإصابة 19 آخرين.
أحد هؤلاء الكولبارات الذين تجمدوا في الثلج كان طفلاً لا يتجاوز عمره 18 عاماً، كما قُتل فردان من الكولبارات أيضاً في حوادث قيادة، وأصيب آخران، وكانت الضحايا بالترتيب من محافظات أذربيجان الغربية، وكردستان، وكرمانشاه.
يقول الكولبار: إن ضباط حرس الحدود وقوات الأمن الإيرانية لا يعيرون أهمية لأرواحهم، في حين أنهم يحملون على ظهورهم حمولات ثقيلة، وليس بإمكانهم الهرب أساساً، يتعرضون عشوائياً لإطلاق النار نحو رؤوسهم وصدورهم، ويتجول الكولبار في مسارات تكون غير مناسبة بسبب هيمنة ضباط حرس الحدود الإيرانيين وتردد أعضاء الفروع المسلحة لأحزاب المعارضة السياسية خاصة الأكراد الإيرانيين، ولذلك ليس واضحاً لماذا يقصد ضباط الأمن الإيرانيون قتلهم بدلاً من إطلاق النار في الجو لإيقافهم؟.
بالإضافة إلى ذلك لا يرحم ضباط الأمن حتى الحيوانات التي تساعد الكولبارات في جر الحمولات، ويقتلون الأحصنة والبغال خاصتهم بأسلوب متوحش. وبصرف النظر عن قتل الحيوانات بسبب الحمولة التي وضعها صاحب هذه الحيوانات على ظهورهم والذي يعد جريمة، فإنهم بذلك يعرضون حياة الأسر للخطر، الأسر التي تعتبر حمولة هذه الحيوانات مصدر دخلها الوحيد. ضباط الأمن في بعض الحالات يقتلون الأحصنة والبغال بصورة جماعية، حتى التي لم تكن تحمل بضائع، كما حدث في إحدى قرى اشنويه في محافظة أذربيجان الغربية.
مهنة الكولبار؛ نتيجة محتومة للفقر المفروض
أحد الأسئلة المطروحة دائماً حول الكولبار: لماذا يستعد أولئك للحصول على قوت يومهم من أخطر الطرق الممكنة؟ أو بمعنى آخر: لماذا في جزء من المناطق الحدودية الإيرانية يوجد عدد من المواطنين ليس لديهم خيار آخر حتى لا يموتوا من الجوع؟ من أجل الإجابة عن هذه الأسئلة يجب التطرق إلى الجذور الاقتصادية لرواج مهنة الكولبار لأنه لا يوجد شيء آخر غير الفقر المدقع حد الجوع الذي يجبر الإنسان على العمل في هذه المهنة الخطيرة لهذه الدرجة.
وبالتالي يمكن اعتبار الفقر الاقتصادي أهم دافع لدى المواطنين لامتهان هذا العمل، وكذلك فقدان البنى التحتية الاقتصادية، وعدم وجود استثمارات لحل تلك المشكلة، وتخصيص موارد مالية بأسلوب غير مناسب ومبني على تجاهل المهمشين بما يعود بالنفع على المركزيين، عدم وجود فرص عمل، وعدم التخطيط لخلق فرصة عمل مستديمة وفي النتيجة انتشار البطالة، وكل هذا على غرار نظرة النظام الأمنية نحو مناطق الأكراد التي يمكن اعتبارها من أهم عوامل تعمق الفقر وهيكلته في كردستان ومناطق الأكراد، ومن نتائج ذلك إقبال المواطنين على مهنة الكولبار.
إحصائية المؤشرات الاقتصادية التي تنشرها مختلف الهيئات المسؤولة في إيران تؤكد الادعاءات آنفة الذكر. وبناءً على هذه الإحصائيات، فإن مناطق الأكراد في إيران من محافظة أذربيجان الغربية حتى إيلام من ضمن أكثر المناطق النامية في إيران التي تعاني من حرمان هيكلي، وتعتبر وفق جميع المؤشرات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية أكثر حرماناً من المناطق المركزية في إيران.
فعلى سبيل المثال، إجمالي الدخل السنوي لمحافظة كردستان مقارنةً بإحصائيات عام 2006 من مركز الإحصائيات الإيراني يمثل في المتوسط 64.4 % من متوسط إجمالي الدخل السنوي للدولة، مما جعلها في المرتبة 29 على مستوى محافظات الدولة. في نفس العام كان نصيب محافظة كردستان من إجمالي الناتج المحلي للدولة حوالي 0.95 %، يعني أقل من 1 % ، وكانت تحتل المرتبة الـ 23 على مستوى محافظات الدولة خلال السنوات الأخيرة، وبحسب الإحصائيات المعلنة والتي تعود إلى خريف العام الماضي فإن محافظات كردستان وكرمانشاه وإيلام تحتوي على أعلى نسبة بطالة
ووفقاً للإحصائية التي نشرتها صحيفة “توسعه ايراني” فإن إجمالي الدخل السنوي في المحافظات الثلاثة أذربيجان الغربية وكردستان وكرمانشاه التي تروج فيها مهنة الكولبار يمثل أقل من 50% من إجمالي الدخل السنوي للدولة، ويمثل معدل البطالة الحقيقي فيها أكثر من 38 %، ويزداد معدل التضخم كذلك عن 44 %.
ويقول النائب عن دائرة سنندج في البرلمان الإيراني احسن علوي: “إن كردستان ليس لها نصيب في المشاريع العمرانية حتى خلال الأعوام التي كانت تقام فيها الصناعات الكبرى بالمدن الأخرى، وفي حين كان سعر الدولار 70 تومان، كانت كردستان تعاني من تطهير الآثار الناجمة عن الحرب، ولم يكن هناك خبر عن الاستثمار في هذه المحافظة”.
وصرح مساعد شؤون تطوير الموارد البشرية لمحافظ كردستان في ربيع عام 2014 خلال جلسة سيمنار بأن 70%من وحدات التصنيع بمحافظة كردستان إما معطلة أو نصف معطلة، ويتجاوز معدل البطالة الحقيقي في كردستان نسبة 35 %.
وبحسب التقرير الذي نُشر في صحيفة اعتماد طبقاً لإعلان مركز الإحصائيات والبنك المركزي، فإن متوسط نسبة البطالة في المحافظات التي تروج فيها مهنة الكولبار كانت في ربيع 2018 أكثر من 38% مقارنةً بربيع عام 2017م أي زادت أكثر من 2.5 % ، كما زاد متوسط معدل البطالة بنسبة 5% على مستوى الدولة. ووصل متوسط معدل التضخم أيضاً خلال الـ 12 شهر الأخيرة بشهر نوفمبر 2019م إلى 35.28 %، وحوالي 2 % من متوسط معدل التضخم في الدولة. والجدير بالذكر أن خلال هذه الفترة كان معدل التضخم في محافظة كردستان 45.5 %.
النواحي الاقتصادية لمهنة الكولبار
أحد الأسئلة التي لا نتطرق لها كثيراً فيما يتعلق بمهنة الكولبار أنه في حين يمثل تهريب البضائع تجارة مربحة، وهذه السمة الاقتصادية تحولت إلى وظيفة جذابة بالنسبة للعديد من التجار على الرغم من حجم المخاطرة، فلماذا لا ينتفع الكولبار بذلك؟ من أجل الإجابة عن هذا السؤال علينا النظر في كيفية تقسيم الأرباح في التهريب عن طريق مهنة الكولبار، وأي مسار تطويه البضائع؟
أولًا على حد قول عضو اللجنة الاجتماعية في البرلمان الإيراني “رسول خضري” فإن 99.5% من تهريب البضائع في الدولة يتم عن طريق أرصفة غير قانونية، ونصيب تهريب البضائع في إيران عن طريق مهنة الكولبار نصف % فقط، يعني سوق تهريب البضائع عن طريق مهنة الكولبار مبدئياً سوق صغير للغاية، ولا يلعب دوراً مؤثراً في اقتصاد إيران.
يقال: في هذه الأوضاع إذا افترضنا أن أفضل الفرص بالنسبة لأجور الكولبار الحصول على نسبة أقل من 1 % من قيمة البضائع التي يستوردها. وبالتالي يكون نصيب الكولبار من كل مليار تومان سعر البضائع التي تدخل عن طريق مهنة الكولبار في الدولة أي أقل من 9 مليون تومان.
البضائع التي يحملها الكولبار تتعلق بأحد التجار الكبار أو الصغار في إحدى المدن الإيرانية. يقول “منصور أميني” (اسم مستعار) وهو من التجار الذي يسكنون في مريوان: “إن هؤلاء التجار هم من أهل المدينة نفسها ومن أهالي المدن الحدودية ومن أهالي سائر المدن، وأغلبها مدن كبرى. يقوم التاجر بحسب طلب السوق أو بحسب ما يُطلب منه بصفة خاصة بشراء البضائع المطلوبة من كل مكان في العالم، وبالأخص من دول الصين وكوريا وتركيا وسنغافورة وتايوان، وحتى في بعض الأحيان من ممثلي شركات كبرى في الإمارات، ويرسلها إلى إقليم كردستان بطريقة قانونية ويدفع رسوم الترانزيت”.
وعلى حد قول السيد أميني، فإن عمل وسطاء التجار يمثل حلقة هامة في سوق التجارة الحدودية القانوني وغير القانوني على حدود إقليم كردستان، يقول: “هؤلاء الوسطاء لديهم في كلتا المنطقتين الحدوديتين مكاتب ومخازن من أجل التحفظ على البضائع وإدارتها، ويعملون مع مجموعة من سائقي شحن بضائع التهريب ووسطاء الكولبار والعتالين”.
وعلى حد قول منصور أميني فإن مسؤولية الطرف العراقي هي إيصال البضائع إلى مخزن حدودي، وفي بعض الأحيان شحنها بواسطة سيارات حمل صغيرة أو بغال وأحصنة حتى النقطة الحدودية القريبة لإيران، وتحويل الحمولات إلى الكولبار والعتالين، يقول: “من هنا مسؤولية البضائع تقع على عاتق الوسطاء الإيرانيين. الوسطاء الإيرانيون أيضاً يستعدون في منطقة قريبة من حدود السيارات (أغلبها سيارات تويوتا هايلوكس ياباني) من أجل تحويل الحمولات من الكولبار والشحن المباشر إلى التاجر صاحب الحمولة أو مخازنه في مدينة قريبة من الحدود. وبالطبع في بعض الأحيان يتحمل الطرف الإيراني مسؤولية نقل البضائع من مخزن الطرف العراقي في المدينة الحدودية العراقية”.
تقع مكاتب الوسطاء في إيران في السوق وممرات المدن الحدودية بالقرب من معابر الكولبار. يقول منصور أميني: “إن الوسيط يلعب دوراً رئيسياً في تحويل ونقل الحمولات المكلف بها”، ويضيف: “يقدمون الوسطاء ضمانات لنقل الحمولات ومبلغ الضمان يتم حسابه بالكيلو أيضاً، وفي الأغلب يعتمد على نوع البضائع وقيمتها المادية. من الممكن أن يتربح الوسيط في المرة الواحدة بمبلغ كبير، وإذا صُدرت أو فُقدت البضائع يتضرر بمبلغ ضخم، لأن الوسيط هو المسؤول عن تسليم الشحنة، وإذا لم يستطع إيصال الشحنة لصاحبها التاجر عليه أن يدفع له ما يعادل قيمة الشحنة (سعر الشراء)”.
يقول السيد أميني: “إن عمل الكولبار ليس مُؤمَّناً، وفي حالة فقدانهم الحمولة نتيجة تعرضهم للسقوط أو البقاء في الثلج أو التعرض لهجوم قوات حرس الحدود، لا يتحملون مسؤولية، وفي حالة تكرار هذا الأمر تُفقد الثقة في الوسيط، ولا يجد فرص عمل”، ويوضح: “لكن سائقي سيارات التويوتا ينقلون شحنات البضائع المهربة من الوسيط، ويوصلونها إلى وجهتها النهائية، وتُفرض ضمانات على الشحنة، وفي حال مصادرة الشحنة، فبالاضافة إلى ضياع السيارة، يجب أن يتحمل الوسيط كافة التعويضات عن الخسائر”.
ويذكر منصور على سبيل المثال لو حصل الوسيط على 50 ألف تومان لكل كيلو على الشحنة مقابل نقله الشحنة للتاجر المالك، فمن الممكن أن يدفع بين 20 ألف وحتى أكثر من 30 ألف تومان على كل كيلو من هذا المبلغ للأشخاص الذين نقلوا الشحنة له عبر مختلف الطرق، على حسب قُرب أو بُعد الوجهة النهائية للشحنة.
في بعض الأحيان يحمل عدد كبير من الكولبارات شحنات، ويكون هناك وسيط أو أكثر يرافق الكولبار، ويتحركون أمام القافلة حتى يعلموا لو كان هناك ضباط في انتظارهم أو ليراقبوا الشحنة. يقول منصور أميني: “إن حراسة الكولبار لا تمثل ضرورة تُذكر وليس أمراً معتاداً”، ويضيف: “يعلم الوسطاء أسماء وعناوين ومحل إقامة الكولبار، وبالطبع لو كان الكولبار مثيراً للمشاكل لما تحمل مسؤولية الصفقة من البداية، ولسعى وراء إثارة المشاكل”.
المسؤولون الإيرانيون وقضية الكولبار
يعتقد بعض المسؤولين الإيرانيين أن مهنة الكولبار مهنة غير قانونية، لأنهم يحملون حمولة فوق أكتافهم، ولا يدفعون جماركها، ولم تدخل الدولة من معابر رسمية، لكن المعارضين يقولون: لماذا لا يتمتع إنسان بامتيازات وحقوق المواطنة بحيث يلتزم بالقانون ولايعاني من الجوع؟ الكولبار هو مواطن يفتقر إلى حقوقه، وليس لديه التزام بالقوانين.
في نفس الوقت، اتخذ بعض كبار مسؤولي الجمهورية الإسلامية مواقف مختلفة. فعلى سبيل المثال، صرح مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية سيد علي خامنئي بأن مهنة الكولبار لا تُعتبر علميات تهريب، والعمل الذي يقومون به لا يمثل أهمية في مجال التهريب، وإذا لم يتم التصدي لهم فلا توجد مشكلة.
وعلى حد قول أحد المحامين العاملين في كردستان، فإنه أثناء المتابعة القضائية لإحدى الملفات المتعلقة بإطلاق ضباط الشرطة أعيرة نارية على مواطن في المدينة الحدودية أظهر المدعي العام في النيابة العسكرية رسالة من مكتب مرشد الجمهورية الإسلامية، وقد تم التأكيد في هذه الرسالة على أن ضباط حرس الحدود لا يمكن إدانتهم بتهمة أنهم أطلقوا النار على الكولبار وقتلوهم أو أصابوهم.
وكان رئيس السلطة القضائية سيد “إبراهيم رئيسي” قد صرح خلال زيارة لـ كردستان بأنه عندما يتحدث عن تهريب البضائع فالمقصود ليس كولبارَين، وينبغي إعادة هيكلة مهنة الكولبار. مقترح إعادة هيكلة مهنة الكولبار الذي يتحدث عنه رئيسي تم إعداده في البرلمان على الأقل مرة واحدة، لكن بالنظر لاعتراض مراكز الأبحاث بالبرلمان توقف المقترح، ولم يحصل على أصوات في الجلسة البرلمانية.
وفي عام 2010 صادق المجلس الأعلى للأمن القومي على قرار من أجل إنهاء مهنة الكولبار، والذي بموجبه سوف يتم تخصيص 10 % من إجمالي الدخل الناتج من عبور الحدود كل عام لإنشاء المصانع والورش وخلق فرص عمل في المناطق الحدودية، حتى يقل بهذه الوسيلة دخل الكولبار سنوياً 10 % وبالتدريج ينتهي أمرهم، ولكن هذا المقترح لم يتم تنفيذه عملياً أبداً.
في أبريل 2018، قام وزير الداخلية “عبد الرضا رحماني فضلي” بالمصادقة على قرار المجلس الوزاري من أجل إعادة تأهيل مهنة الكولبار، وأعلن أنه طلب من مساعد الشؤون الأمنية والشرطية خلال جلسة مشتركة مع محافظي المحافظات الحدودية والأجهزة المعنية دراسة موانع نشاط الكولبار في المحافظات الحدودية خلال فترة أسبوع واحد وتقديم السبل المقترحة.
القوانين الإيرانية وقضية الكولبار
على حد قول “عثمان مزين” وهو أحد المحامين في طهران، فإنه لم يُذكر في القوانين الإيرانية تعريف لمهنة الكولبار، وعلى أساس مقررات ومبادئ تعريف العمل في القوانين لا يمكن مطابقتها مع أي وظيفة بحسب المعايير المذكورة، ويضيف: “هذا العمل ليس له عدد ساعات محددة، ويعرض روح الإنسان للخطر، ومن أجل اختراق الحدود يواجه الكولبار عواقب وخيمة، وبالتالي لا تتناسب مع أي معيار، ولا هي من شأن الإنسان، ولا يمكن اعتبارها وظيفة”.
وبحسب مادة تقنين الجرائم والعقوبات والمادة 2 من قانون العقوبات الإسلامية فإن مهنة الكولبار لم تُذكر على أنها جريمة في أي مادة من مواد الدستور، ولم تُحدد لها عقوبة قانونية في الدستور الإيراني. يقول السيد مزين: “بالإضافة إلى هذا فإن منح بطاقة عبور حدودية يعني اعتراف غير رسمي بهذه المهنة، ويوضح: “لكن مزاولة مهنة الكولبار خارج المعابر الرسمية تتسبب في أن يُعرف الكولبار على أنه مهرب بسبب نقله البضائع بدون جمارك، ويجب ضبط الحمولة التي بحوزته”.
وبحسب المادة 18 من قانون مكافحة تهريب البضائع والعملة الصعبة، يحكم على مرتكب جريمة تهريب البضائع والعملة الصعبة أو التحفظ عليها بغرامة نقدية تتناسب مع نوع البضائع، بالإضافة إلى ضبط البضائع أو العملة الصعبة المهربة، لكن ما يحدث مع الكولبار هو أنهم يتعرضون لإطلاق أعيرة نارية صوبهم مباشرة. إطلاق النار لا مبرر له، وغير قانوني حتى على أساس القوانين الحالية في الجمهورية الإسلامية.
على حد قول السيد مزين، لو اعتبرنا أن القانون هو المعيار في إجراءات قوات الشرطة، فلا يحق لقوات الشرطة نهائياً إطلاق النار على الكولبار: “ولقد أكد قانون (استخدام ضباط الشرطة للسلاح في الحالات الضرورية) على قيامهم بإطلاق النار في المواقف الضرورية فحسب. وقد وضحت الأمثلة العشرة في المادة 3 من هذا القانون بأنه يتوجب على الضباط إطلاق النار في حالات خاصة، كقيام المتهم بالهجوم، وفشل الإجراءات والخطوات المتوقعة، وحتمية الخطر من جانب المهاجم، عندها يمكن للضابط أن يطلق النار على الجزء الأعلى من الجسم، وبالتالي، لا يُعتبر الكولبار مهاجمين وخصوصاً أنهم يحملون على أكتافهم أحمالاً ثقيلة، ولا يستطيعون الهرب بما يحملونه، لذا فاستخدام السلاح معهم يتعارض مع القانون”.
يقول عثمان مزين: “هناك تمييز في التعامل مع الضباط المخالفين في مختلف المناطق بالدولة، وفي المناطق الأخرى بالدولة يتم استدعاء ومحاكمة الضباط الذين يطلقون النار على المواطنين دون مراعاة القوانين”، ويضيف: “في المناطق التي يقطنها الأكراد، لا يطلق الضباط النار على الكولبار فحسب، بل إن الضباط يطلقون النار على المواطنين الذين ذهبوا من قرية إلى قرية أخرى، ولا تتم محاكمتهم. في الواقع ما يقوم به الضباط الآن مع المواطنين في المناطق الحدودية في طهران وأصفهان وشيراز سوف تتم محاكمتهم بالتأكيد ومعاقبتهم لتجاوز القانون”.
يقول عثمان: “بالرغم من ذلك ما زالت هناك إمكانية لتقديم شكوى، لكن في الحالات التي يُفتح خلالها ملف قضية في المحكمة بسبب إطلاق النار على الكولبار تقوم النيابة العسكرية بدلاً من التعامل بحسم مع الضباط المخالفين تأخذ برأي لجنة الحوادث الخاصة بلائحة المادة 5 من قانون استخدام السلاح بدلاً من تقرير الحادثة كرأي خبير”، ويضيف: “ودائماً ما يكتب أولئك أن الشخص الذي تعرض لإطلاق النار ألقى بنفسه في التهلكة” بمعنى أنه عرض روحه للخطر، وهو المسؤول عن روحه، ونحن لسنا مسؤولين عن روحه.
في النهاية هذه القضايا عموماً إما يتم رفضها أو تستغرق وقتاً طويلاً، وفي النهاية يتم دفع دية قليلة لأنهم يقولون ليس لديهم ميزانية”.
إحدى الحالات الاستثنائية للتحقيق في إطلاق نار عن عمد تسبب في مقتل فردين من الكولبار بالمنطقة الحدودية يعطي صورة كلية لأسلوب التعامل العجيب من قبل الجهاز القضائي مع موضوع القتل المنظم للكولبار على أساس ما يمكن رؤيته في لائحة الحكم إذ أشار القاضي بأن فردين من الكولبار تعرضا لإطلاق النار داخل الأراضي الإيرانية، وأثناء استهدافهما لم يكونا حاملين على أكتافهما أحمالاً، وبعد تفحص خطوط هواتفهم الجوالة وشهادة الشهود اتضح أنهم لم يجروا اتصالات هاتفية مع أي جهة، ولم يعبروا الحدود من الأساس.
وقد ورد في قرار المحكمة أن إطلاق النار كان عن عمد، وعلى خلاف المقررات قام هذان الشرطيان بقتل هذين المواطنين عن غير عمد، وفي النهاية حكم على أحدهما بدفع غرامة نقدية مليون تومان، والآخر حكم عليه بالسجن 6 شهور ودفع دية لورثة أحد المقتولين.
على حد قول المحامي، فالدية يتم دفعها في هذه الحالات بصورة أقساط، وليس معروفاً هل يتم دفعها أصلاً أم لا؟
يشير عثمان مزين إلى ملف قضية شخص كنموذج آخر من أسلوب التعامل مع ملفات قضايا إطلاق النار على الكولبارات، حيث نتج عن إطلاق ضباط حرس الحدود النار شلل كامل للكولبار. على حد قول السيد مزين فقد حكمت المحكمة الابتدائية بأن تُدفع دية كاملة، لكن في الاستئناف تغير الحكم تماماً، يقول: “حكمت المحكمة الثانية بدون أي دليل وشهادة بأن 20 % فقط من الدية تُدفع لهذا الفرد لأنه عرض نفسه للخطر. هذا القرار يتجاهل حقيقة أن هذا الطفل حتى لو عرّض روحه للخطر فلا يحق للضباط إطلاق النار صوبه”.
مثلما يقول عثمان مزين فإن أغلب الشكاوى القضائية لا تثمر، والضباط المخالفون حتى عندما يطلقون النار عن عمد لا تتم معاقبتهم، بل حتى لا يتم استدعاؤهم إلى المحكمة كشهود، ويضيف: “في إحدى القضايا كان العم وابن أخيه، ولم يكن بحوزتهما حمولة أثناء العبور، وكانا يتحركان في شاحنة من مدينة ربط نحو مهاباد وتعرضا لإطلاق النار، في النتيجة لقي أحدهما مصرعه وأصيب الآخر. عندما أدرك الضباط أنهم ارتكبوا خطأ تركوهم هناك، واشتروا أعيرة نارية، وبدلوا الطلقات للتعتيم على الموضوع، لكن بعد تقديم عدة شكاوى استطعنا الدفع بهم إلى المحكمة، وحكم عليهم بالسجن 6 شهور، لكن محكمة الاستئناف علقت الحكم وحولت دفع الدية إلى صندوق قوات الشرطة”.
إرسال تعليق