حسام قناطير-إيران واير
في الآونة الأخيرة وعقب مشادة كلامية مع المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة الإيرانية، تحول السفير الصيني في إيران إلى مادة للنقاش وأحياناً للسخرية بين مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، لدرجة أن بعض مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي طالبوا بطرده من إيران، بينما قام بدعمه مستخدمون آخرون مشهورون “بالقيم والمبادئ”.
يرجع تاريخ هذا الصراع اللفظي إلى ما لا يقل عن 20 عاماً، حينما أقامت الأحزاب الأصولية، ومنها حزب المؤتلفة الإسلامي علاقات جيدة مع الحزب الصيني الشيوعي في نهاية فترة حكومة محمد خاتمي، حيث اقترح بعض النشطاء السياسيين الأصوليين النموذج الصيني لتنمية إيران.
في أبريل 2002، قام محمد حسين صفاري هرندي رئيس تحرير صحيفة كيهان، والذي تولى لاحقاً وزارة الإرشاد خلال فترة حكومة محمود أحمدي نجاد بنشر مقال يدعم فيه قتل الطلاب في ميدان تيان آن من. وكتب في هذا المقال: “رغم أنه ينبغي اعتبار هذا الأمر كارثة إنسانية، إلا أن هذا التعامل الحاسم قد تسبب في توقف التدخل الأجنبي في مصير أكثر من مليار صيني، وكان بمثابة المرهم الذي ينبغي تحمل مرارته من أجل الشفاء لاحقاً.”
إن الدعم الإيراني للصين وصل إلى حد أن التزمت الحكومة الإيرانية بالصمت إزاء قمع وقتل المسلمين الأيغور في الصين منذ عام 2009 وحتى الآن. فقد ردد المشاركون في صلاة الجمعة التاريخية لأكبر هاشمي رفسنجاني، والمحتجون على الانتخابات الرئاسية الإيرانية عام 2009 هتافات “الموت للصين” و”السفارة الروسية هي وكر الجاسوسية”.
ترجع جذور النزاع على مواقع التواصل الاجتماعي بشأن إجراءات وتصرفات السفير الصيني إلى أصول سابقة، حيث يعتقد المحتجون أنه رغم هتاف ” لا للشرق ولا للغرب” إلا أن الجمهورية الإيرانية في مناهضتها لأمريكا تبتز روسيا والصين، وهم عبر إدراكهم لهذا الوضع يدفعون لإيران، ويتعاملون معها على أنها “مستعمرة” لهم.
بداية الجدال التويتري بين السفير والمتحدث باسم وزارة الصحة
بدأ الجدال حول تصرفات السفير الصيني في إيران على موقع تويتر، حينما صرح المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة الإيرانية كيانوش جهانبور، بأنه بحسب الإحصائيات الصينية، اعتقد الكثيرون حول العالم أن هذا المرض يشبه مرض الأنفلونزا وأنه أقل فتكًا منه. وذكر أنه يبدو أن الصين قد رمت العالم أجمع بمزحة مريرة، وأنه ينبغي التفكير ملياً فيما يُقال حول احتواء الصين لهذا الوباء في غضون شهرين.
كتب جهانبور على صفحته الشخصية بموقع تويتر أنه لا يمكن ولا ينبغي المزج بين الموضوعات العلمية وبين السياسة، وأن المحافل الأكاديمية في العالم أجمع قد اعتبروا أن فيروس كورونا أقل من فيروس أنفلونزا A استناداً إلى معلومات علم الأوبئة وتقارير الباحثين الصينيين، بينما تُظهر النتائج أن الأمر ليس على هذا النحو، ونحن نثق أكثر في استنتاجاتنا.
كما ذكرت عضو اللجنة الوطنية لمكافحة فيروس كورونا في إيران مينو محرز أن عدوى الفيروس لا يشبه ما أعلنته الصين، وأن هناك احتمالين، إما أن الفيروس قد طور نفسه، أو أنهم قصروا في تقديم المعلومات حول هذا الفيروس.
وقد استمر هذا الجدال مع ردود السفير الصيني في إيران على تغريدات المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة الإيرانية، والتغريدات التي تبادلها الطرفان، فقد رد “تشانغ هوا” باللغة الإنجليزية: “إن وزارة الصحة الصينية تعقد مؤتمراً صحفياً كل يوم. أقترح عليك متابعة أخباره بدقه لكي تستخلص الاستنتاجات.”
وكتب جهانبور رداً على تغريدة السفير الصيني: “إن وزارة الصحة الإيرانية تعقد مؤتمراً صحفياً يومياً، وهذا أمر فريد من نوعه، ويمكن للسفراء المحترمين ووسائل الإعلام في كافة الدول ولا سيما الدول الصديقة متابعته.”
ثم كتب السفير الصيني في تغريدة باللغة الفارسية هذه المرة، مخاطباً جهانبور: “يا سيدي العزيز، من هذا المنطلق، أتمنى منك احترام الحقائق والجهود العظيمة التي يبذلها الشعب الصيني العظيم”، وقد اعتبر الكثيرون من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي أن لهجة هذه التغريدة مهينة.
هذا وقد وصف المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الإيرانية عباس موسوي السفير الصيني قبل عدة أيام على موقع تويتر بالصديق القديم، وعند رؤيته لهذا الجدال اقتحم الميدان، وكتب في تغريدة له على صفحته الشخصية بموقع تويتر: “إن الصين كانت لها الريادة في مكافحة فيروس كورونا وتستحق الإشادة.”
إن استمرار هذا الجدل على المواقع الإلكترونية ضمن الفضاء الافتراضي جعل بعض المستخدمين المشهورين بالقيم والمبادئ والمدافعين عن الحكومة الإيرانية يطالبون بالتعامل مع المتحدث باسم وزارة الصحة وإقالته. وفي المقابل، أطلق مستخدمو موقع تويتر على هؤلاء الأشخاص اسم “أنصار الصين”، وهي مأخوذة من كلمة “حزب اللهي: أي أنصار حزب الله”، وذكروا أن إيران باتت مستعمرة للصين. كما تم وصفهم بـ “المدافعين عن الصين”، وهي مقتبسة من عبارة “المدافعين عن الحرم” التي تستخدم للإشارة إلى القوات الإيرانية العسكرية في سوريا.
ضغوط لاستئناف رحلات الطيران إلى الصين
ترجع أحداث يوم الإثنين الماضي إلى أصول أكثر قدماً، بما في ذلك النزاع حول استئناف رحلات الطيران الإيرانية إلى الصين.
حينما كانت الصين تعاني من فيروس كورونا أعرب المسؤولون الإيرانيون عن مدى صداقتهم وحبهم للصين بأساليب مختلفة، بدءاً من إبداء تعاطفهم وحتى إرسال المساعدات الإنسانية ومواصلة رحلات الطيران الإيرانية المتجهة إلى الصين.
هذا وقد زاد السفير الصيني الذي تم إيفاده إلى إيران قبل ستة أشهر من نشاطه على موقع تويتر بشكل ملحوظ، وبات ينشر العديد من التغريدات يومياً باللغة الفارسية، ويعلن عن حوارات له مع وسائل إعلام إيرانية ومسؤولين إيرانيين.
وفي حوار له مع وكالة تسنيم التابعة للحرس الثوري الإيراني دعا المسؤولين الإيرانيين إلى عدم فرض قيود مبالغ بها على المسافرين الصينيين.
وفي نفس اليوم، نشر على موقع تويتر صور لقائه بالمدير التنفيذي لشركة خطوط ماهان الإيرانية حميد عرب نجاد، وكتب أن شركة ماهان أبدت رغبتها في استئناف العمل مع الصين.
كما نشر السفير الصيني رسالة المخرج الإيراني مجيد مجيدي، والتي كان قد كتب فيها: “لا تمر لحظة إلا وأنا أتذكرك أنت والأطفال الصينيين الأبرياء.”
الدعم الصيني لإيران، وإنتاج محتوى باللغة الفارسية
عقب الإعلان رسمياً عن تفشي فيروس كورونا في إيران، ازداد نشاط السفير الصيني على موقع تويتر مرة أخرى، وفي 25 فبراير الماضي كتب في تغريدة له: “بالنيابة عن السفارة الصينية في إيران، فإنني أهدي 250 ألف كمامة لإيران، وسيتم إرسال المزيد من المساعدات في المستقبل القريب. كوني قوية يا إيران.”
وكانت صفحة السفير الصيني في إيران على موقع تويتر تنقل أخبار التبرع بالهدايا المختلفة من قبل مدراء شركات الأدوية، والمجلس الصيني لتنمية التجارة الدولية وجنوب الصين لإيران، كما كانت تنقل أخبار الهدايا المرسلة إلى الدول الأخرى.
حاول السفير الصيني الذي تعلم اللغة الفارسية الرد وكتابة التغريدات باللغة الفارسية، كما ألقى كلمة بالفارسية وقت وصول الشحنات الصينية المهداة إلى إيران.
وفي غضون ذلك، تم تفعيل القسم الفارسي في وسائل الإعلام الصينية، وتم إنتاج محتوى تعليمي باللغة الفارسية، وقد ظهرت النساء الصينيات في هذه المقاطع وهنّ يرتدين ملابس تغطي جسدهن بالكامل، وهو ما يدل على محاولتهم إنتاج محتوى يتوافق مع الإعلام الإيراني المتشدد.
إلى جانب هذه المقاطع التعليمية والأخبار المتعلقة بفيروس كورونا، أعاد السفير الصيني تغريد مقاطع ترفيهية أو صور لطلاب إيرانيين يقرؤون اللغة الصينية، أو صور لإيرانيين وهم يقومون بطهي الطعام الصيني.
لقد حاولت الصين ليس في إيران فحسب بل في جميع أنحاء العالم استغلال أزمة كورونا، وإطلاق الدعاية الإعلامية لها، فقد أنفقت الصين مليارات الدولارات عبر تدشين العديد من وسائل الإعلام باللغات المختلفة بهدف توصيل رسالتها لشعوب العالم، كما دشن الدبلوماسيون الصينيون دبلوماسية تويترية، والتي تُعرف في وسائل الإعلام الدولية باسم “دبلوماسية الكمامات” أو “الدبلوماسية التويترية”.
إرسال تعليق