close button
انتقل إلى إيران وير لايت؟
يبدو أنك تواجه مشكلة في تحميل المحتوى على هذه الصفحة. قم بالتبديل إلى إيران وير لايت بدلاً من ذلك.
تقارير

الخدمة الإلزامية والسجون الإيرانية

18 مارس 2021
٧ دقيقة للقراءة
مصدر الصورة :إيران وير بالفارسي
مصدر الصورة :إيران وير بالفارسي

شاهد صفدري- إيران وير

في هذا التقرير نستمع إلى روايات عدة مجنَّدين يُمضون ليلهم ونهارهم في السجن؛ فيأكلون من طعام السجناء، لكنهم يحملون الهراوات بأيديهم، ويَضعون القيود في أقدام السجناء الذين يتم إرسالهم إلى المشفى، بل أكثرَ من هذا كله فهم يتمتعون بحق إطلاق النار على السجين وإردائه قتيلاً. وسواءٌ أكان ذلك على غير إرادة من مجنَّد السجن أم كان نابعاً من معتقداته فهو يُشكِّل جزءاً من جهاز السجون في نظام الجمهورية الإسلامية. إذاً، كيف يَروي هؤلاء المجندون حكايات خدمتهم الإلزامية في تلك السجون؟

حين تنهار الأنظمة الظالمة والعنيفة وتُعرَض أركانها المختلفة على محكّ المحاكم يَقول كثير من المتهَمين في الدفاع عن أنفسهم إنه لم يكن أمامهم حلٌّ سوى الانصياع لأوامر قادتهم. ومثاله الأبرز في الزمن المعاصر ما حدث في الحرب العالمية الثانية والمذبحة التي طالت اليهود على أيدي النازيين الألمان؛ حيث كان الكثير يقولون إنهم أُجبِروا على قتل الناس تحت إكراه “هتلر” والحكومة الألمانية، وإنهم لو لم يَقتلوا لقُتِلوا هم أنفسهم. وهذا الأمر لا يزال موضع جدال في ما يخص السجون وقتل السياسيين وقضية السجّانين والضحايا؛ أيْ النظام العنيف الذي يُقدِّم ضحايا كثيرين على مَذبح القتل.

والخدمة الإلزامية في نظام الجمهورية الإسلامية لا تختلف كثيراً عـمّا سلف ذكره؛ فكلُّ مجنَّدٍ لا يَنزل ضرباً على رأس السجين، ولا يُكبِّل أقدامه بالسرير، ولا يُطلق النار عليه أثناء فراره يَتعرَّض للتأديب والعقوبة والاحتفاظ به في الخدمة الإلزامية في ذلك النظام العنيف. لكن هل يمكن نفي ضلوع هؤلاء في هيكلية السجن وقيامهم بالتعذيب وإلحاق الأذى بالسجناء الذين يعانون منه ويتحملونه قسراً؟

في تركيبة السجون في النظام الإيراني يَكون من مهامِّ المجنَّد (الحاصل على شهادة الثانوية العامة) أن يُعرِّي ويُفتِّش السجناءَ الجدد، وعليه المناوبة على حصن السجن، وقتْل السجين إذا ما لاذ بالفرار. وعليه وهو يَرتدي بزّة حرس السجن المكونة من الخوذة والدرع والهراوة أن يَضرب على رأس السجين المذنب، وأثناء تفتيش الزنازنين يَقوم بقلب أسرّة السجناء وملابسهم رأساً على عقب، ويرافق السجينَ إلى المحكمة ويَـحُول دون فراره المحتمَل، وأحياناً ينبغي عليه مرافقة السجين إلى المشفى وتكبيله إلى السرير.

حصن السجن

في أول دخولك السجن ستستغرب في الليل من أصوات الصراخ والعويل المرتفعة، وتظنُّ أن عدداً من السجناء اكتشفوا طريقاً إلى أحد الأبواب أو الشبابيك وبدؤوا يصرخون، لكن الأمر ليس على هذا النحو؛ فهذا الصوت صوت شاب في حدود التاسعة عشرة من عمره شاءت له الأقدار أن يَخدم عسكريّتَه في سجن يَقع في الصحراء الواقعة بين طهران وقُم، وعليه أن يتسلق حصن السجن في الليالي، وفي كل ساعة يصرخ عالياً كي يُؤكِّد لقائده أنه مستيقظ وواقف في مكانه لئلا يتعرَّض للتأديب أو تضاف مدة إضافية إلى خدمته. وفي الأيام التي يَحدث فيها فرار السجناء يَتزايد منسوب الصرامة في التعامل معهم؛ فيكون للمجند الحق في إطلاق النار وقتل السجين اللائذ بالفرار.

وفي الفرار الأخير لأربعة سجناء الذي وقع في فبراير/شباط 2021، قام السجناء بقص قضبان زنزانتهم، ودخلوا فِناء السجن، ومنه شَقّوا طريقهم إلى خارج أسواره، أطلق المجند المناوِب في حصن السجن النارَ على ثلاثة منهم، فأردى أحدَهم قتيلاً، وأفقد الثاني إحدى رجليه.

وفضلاً عن مناوبة مجنَّد السجن في الحصون المحيطة فإنه يناوب في مَدخل مُجمَّع السجن وقاعة الزيارات أيضاً، كما يقوم بواجب استلام السجين وعملية البصم عند دخول السجين، وهذا يجعل  مجند السجن هو أول من يَصطدم بهم السجين ويَخضع لإمرتهم.

الحرس

في مجمَّع سجن “طهران الكبرى” أكثرُ من 50 زنزانة وفريق حرس مؤلف من 100 مجند يَقومون بتفتيش هذه الزنازين تحت شعار “الإسلام منصور والغرب مدحور”. وفي أعقاب قيام الحرس بتفتيش الزنازين يَبقى السجناء لعدة أيام يبحثون عن أغراضهم الشخصية في الزنازين والممرات وفِناء السجن أو حتى في حقائب زملائهم، ذلك لأن جميع الأغراض والأسرّة يتم تقليبها رأساً على عقب، ويتم إخراج جميع الملابس من حقائبها، بل حتى يتم تفتيش حاويات الزبالة، وفي نهاية الأمر يتم تفتيش أجساد السجناء كأغراضهم. وبعد كل عملية تفتيش عادةً ما يتم العثور على عدد من السكاكين ومقدار من المخدرات هي في أغلبها هيروئين ومادة الميثامفيتامين المنشِّطة. وأحياناً يُعثَر على عدد من الفلاشات والموبايلات. وبالطبع فجميعها متعلق بنوع الزنزانة؛ حيث يكون التفتيش في زنازين السرقات أكثر شدةً، وفي الزنازين المالية أقلَّ، ودائماً ما يكون السجناءُ الذين لديهم واسطات على علم بالتفتيشات قبل أيام أو ساعات من دخول الحرس، فيقومون بإخفاء أشيائهم الممنوعة أو إيداعها كأمانة في زنزانة أخرى.

إلى جانب هذه التفتيشات الروتينية يَتدخل المجندون في المناوشات الحادة داخل الزنازين أيضاً؛ فيَدخلون الزنزانةَ راقصين هاتفين “الله الله”، ويَضربون على رؤوس السجناء الذين يَعتبرهم قادتُهم مذنبين. وأحياناً يقومون بتعرية السجناء، وبعد ضربهم بالهراوة والحذاء العسكري ضرباً مبرّحاً يُرسلونهم إلى الحبس الانفرادي.

أمضى “أحمد”، المجنَّد في سجن “طهران الكبرى” المعروف بـ “سجن فشافويه” سبعة أشهر من خدمته العسكرية حتى الآن. وفي الأسطر التالية نقرأ روايته لموقع “إيران وير” عن كيفية التفتيش: “كل ما نعثر عليه يجب إعطاؤه لقائدنا على الفور؛ لأنهم يقومون بتفتيشنا نحن أيضاً بعد عملية التفتيش، ومردُّ ذلك إلى عدم ثقتهم بنا. وبعد خروجنا من الزنزانة يُجلسوننا بين السجناء ويفتشوننا واحداً تلو الآخر كي يتأكدوا من عدم سرقتنا للأغراض الممنوعة. بالطبع بعض المجندين يأخذون ما يحتاجون إليه، وإذا سلّموه فربما يُرمى به إلى حاوية النفايات. بعض الرؤساء يَقومون في نفس اليوم بعد انتهاء الدوام الرسمي بإعادة أغراض السجناء ويحصلون على إكرامية دسمة؛ فيبيعون فلاش السجين الـمُعاد إليه مرة ثانية بمبلغ 200 ألف تومان. وحين نداهم الزنزانة لا يرتدي منا الخوذة والدرع سوى عشرين مجنداً. ويَحدث أن يهجم السجناءُ علينا ويَضربوننا بقوة. وبعض الأحيان نأخذ شيئاً بديلاً عما نَعثر عليه من بعض المواد والأغراض، ولذلك نُسجِّل المعثور عليه بأن صاحبه “مجهول” حتى لا يُفتَح محضر لأحد”.

أحياناً يتم استخدام حرس السجن في استلام المحتجين وسجناء العمليات الأمنية أيضاً. وعلى المجندين الوقوف في صفَّين أمام الـمَدخل وتشكيل نفق يمرُّ منه السجناء بعد نزولهم من حافلة النقل، فيتعرضون للضرب على رؤوسهم. وهذه الطريقة تُتَّبع بوجه خاص في التعامل مع المعتقلين من الاحتجاجات الشعبية. وفي هذا الشأن يَقول أحمد: “عندما تَحدث مناوشات جماعية ويكون عدد المعتقلين كبيراً، يَجعلوننا في صفوف أمام المدخل كي نقوم باستقبالهم. هل تظنون أن الأمر سهل علينا؟ لو لم يكن بعضنا جنوداً لربما شاركنا في تلك الاحتجاجات الشعبية. لكن بعض العساكر لا يهمهم الأمر؛ وكلُّ همِّهم بعد أن يتلقَّوا الأوامر أن يَضربوا بشدة، غير أن منّا من لا يستطيع النوم ليلاً فيمضيه في تدخين السجائر وهو يفكّر بفعلته الـمُنْكرة تلك. الأمر صعب علينا لكن ماذا بوسعنا فعله؟ نحن مُكرَهون على ذلك، ونبقى نعاقب أنفسنا ونَنهرها”.

الإرسال

عادةً ما يُرسَل يومياً عدة مئات من المساجين إلى المراكز القضائية أو المشافي، فيرافق العسكريُّ السجينَ في هذه المراكز. ومن مَهامه أن يتوجه في الصباح الباكر إلى اللواء الذي يَكون فيه السجين فيستلمه ويُقيّده، ويأخذه إلى الفرع المرسَل إليه. وبعد تجمُّع السجناء الآخرين يأخذونهم بالحافلة أو السيارة أو سيارة الإسعاف إلى المراكز القضائية أو المشافي؛ سفر يستغرق يوماً واحداً يُرافق فيه السجينَ مجندٌ أو اثنان. وبعض الأحيان يَسمح المجند لعائلة السجين بزيارته زيارة شخصية وطويلة، وذلك تعاطفاً معهم أو لينال إكرامية منهم. وأحياناً يَسمح المجند للسجين بارتداء الملابس التي أحضرتها عائلته تحت لباس السجن، وأحياناً يسمح له بإدخال بعض المواد والدواء والأشياء الممنوعة في حذائه العسكري إلى السجن.

وفي بعض الأحيان يَقتنع المجند ومجموعة العساكر المرسَلة المرافقة للسجين بأخذ السجين بعد الانتهاء من المحكمة والتفتيش إلى بيته ليُمضي عدة ساعات مع عائلته؛ لكن هذه الساعات القليلة تُكلِّف العائلةَ عدة ملايين من التومانات. وبحسب درجة كون السجين أمنياً يَتجاوز المجندُ أحياناً الخطوط الحمراء ليَعيش السجينُ يومه بطمأنينة أكبر.

وبخصوص هذه الإرساليات يقول أحمد: “لدينا نوعان من الإرسال؛ أولهما عادي والآخر إسعافي. أما العادي فالسجين يكون على موعد مسبَق لإجراء عملية جراحية أو زيارة الطبيب، والعائلة على علم بذلك فتأتي لتراه. وحين نعلم أن السجين لا يَقوى على تحمل الكلبجات والقيود نخالف رئيسنا ولا نقيّده. أما الإرسال الإسعافي فمختلف، وقد حدث أن شهدتُ السجناء وهم يَحتضرون ثم يموتون، أو يُسْلمون الروح في الطريق إلى المشفى”.

في الأسبوع الفائت كان أحد السجناء على مشارف الموت، وحين وصل إلى المشفى كان قد فارق الحياة. وفي مستوصف السجن كنا بحاجة إلى الأدوات اللازمة لإنقاذ حياته، لكن افتقاد هذه الإمكانيات أدى إلى وفاته تحت جهاز الإنعاش في المشفى. وبحسب أحمد، هناك سجناء كثيرون يَفقدون حياتهم في الطريق إلى المشفى ولا أهل لهم ولا عناوين.

لا شك أن الاستناد إلى هذه الرواية وإطلاق حكم حاسم صعبٌ في معرفة درجة ضلوع مجندي السجن بإلحاق الأذى بالمساجين وتعذيبهم. وبحسب أحمد، فإن العسكرية إجبارية، وإذا لم يفعلوا ما يُطلَب منهم فسيتعرضون للتأديب والعقوبة. عندما يكون النظام ظالماً وعنيفاً تُصبح ضحيتُه مجرمة أحياناً، وفي غياب هيكلية قانونية وعادلة يُضاف إلى قافلة الضحايا ضحايا جدد يوماً بعد يوم.

إرسال تعليق

Ad Component
أخبار

الحرس الثوري الإيراني يكشف عن "قاعدة صاروخية" تحت الأرض

17 مارس 2021
أحمد سلوم
٢ دقيقة للقراءة
الحرس الثوري الإيراني يكشف عن "قاعدة صاروخية" تحت الأرض