قد يكون الرسم موهبة موجودة لدى ملايين الأشخاص، ولكن عندما توجد هذه الموهبة لإيصال احتياجات طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة لأهله، بدلاً من الكلام، ربما سيكون لها وقع آخر.
محمد تلفت طفل في العاشرة من عمره من مدينة حمص وسط سوريا، يقيم مع عائلته المؤلفة من والدته وأخويه في غرفة في منطقة المحمرة شمالي لبنان، يعاني من تأخر في نمو الدماغ ويرسم.
تعمل والدته خياطة في الغرفة التي تقيم فيها، ويقوم ولديها بحراثة الأراضي الزراعية في المنطقة، بينما قتل الوالد تحت التعذيب في سجون النظام، بحسب رواية العائلة.
تقول سعاد، والدة محمد، إنها كانت منهمكة في الخياطة في أحد المرات، ولاحظت أن ابنها كان يعاني من الضجر، فأعطته ورقة وقلم كي يتسلى، وأكملت خياطة الملابس التي كانت بحوزتها، وما أن أنهت عملها، حتى فوجئت برسمة لمحمد فيها منزل وأشجار.
كررت الوالدة إعطاء محمد ورقة وقلم وبدأت بمراقبة رسوماته، وكانت (أي الرسومات) متنوعة بحسب الوالدة، حيث كان تارة يرسم حيوانات، ويرسم أشياء موجودة في المنزل تارة أخرى.
“فرحتي وأنا أشاهد رسومات محمد تفوق أي فرحة في الدنيا، كنت أبكي بعد أن ولدته معظم الليالي لأنه لا يشبه أبناء جيله، ولكنني اكتشفت فيما بعد أن محمد لا يشبههم فحسب، بل يتميز عنهم في كثير من الأشياء ، لأنه يقاوم الإعاقة ويحاول العيش كأبناء جيله”.
لا يستطيع محمد الكلام بشكل واضح، لذلك استعان بالرسم للتواصل مع محيطه، وإبلاغ والدته باحتياجاته، الأمر الذي يسهل على الوالدة تأمين متطلبات ابنها، بحسب قولها.
حالة محمد هي واحدة من آلاف حالات ذوي الاحتياجات الخاصة الموجودة في لبنان، حيث يعيش في البلد نحو 114 ألف معوق مسجلين لدى وزارة الشؤون الاجتماعية وفق تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ويعاني 56% من هؤلاء، بحسب التقرير من إعاقة حركية، فيما يعاني 29% منهم من إعاقة عقلية، ويعاني 8% من إعاقة سمعية، و7% من إعاقة بصرية.
ويواجه الأشخاص ذوو الاحتياجات الخاصة عقبات في الحصول على الرعاية الصحية في لبنان بحسب تقرير لمنظمة “Human Rights Watch“، حيث يؤكد التقرير أن الأطفال ذوو الإعاقات لا يستطيعون الحصول على التعلم عن بعد بشكل متساوٍ مثل الباقين، وعائلات الأطفال ذوي الإعاقات لا يملكون الدعم والخدمات التي يحتاجون إليها لمساعدتهم على التعامل مع الأزمة.
علماً أن القانون اللبناني يكفل لجميع الأطفال اللبنانيين الحصول على التعليم دون تمييز، ويمنح القانون 220 الذي أُقر عام 2000 ذوي الاحتياجات الخاصة الحق في التعليم، الصحة والحقوق الأساسية، وينشئ لجنة متخصصة لتحسين ظروف الأطفال المسجلين من ذوي احتياجات خاصة للمشاركة في جميع الدروس والاختبارات.
ويرفض عدد من مدراء المدارس تسجيل طلاب ذوي احتياجات خاصة في المدارس التي يديرونها، نظراً لصعوبة الاندماج بينهم وبين بقية الطلاب، في ظل غياب خطط وزارية تسهل من عملية الدمج.
وعلى الرغم من عدم حصول ذوي الاحتياجات الخاصة على حقوقهم الكاملة في لبنان، أصر مدير مقهى “أغونيست” في العاصمة بيروت، الأخصائي في العلاج الطبيعي وسيم الحاج على توظيف أشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة حصراً نظراً لحس المسؤولية الذي يتمتعون به، والقدرة على الفعل الإيجابي، وفق الحاج.
إرسال تعليق