مرمره- إيران وير
قبل عدة أشهر أطلق موقع “إيران وير” الفارسي بالتعاون مع موقع “الأديان الإيرانية” أول مسابقة عنوانها “نحن إيران”، ومؤخراً أعلنت نتائج التقارير الأفضل في هذه المسابقة التي قام المشاركون فيها بسرد تعايش مجتمعات الأقليات الإيرانية في قالب التقارير والصور ومقاطع الفيديو، والتقرير التالي هو أحد التقارير المختارة الذي يتناول موضوع الجفاف وعواقبه على ممارسة الصابئة المندائيين في خوزستان لطقوسهم.
كان الجفاف وتراجع نسبة تساقط الأمطار وكذلك انخفاض منسوب نهر كارون بسبب السدود غير المجدية من ناحية، وتلوث المياه والصرف الصحي المتدفق لهذا النهر من ناحية أخرى، هو سبب العديد من المشكلات للمزارعين والمقيمين في محافظة خوزستان، وليس هذا فحسب، بل خلق العديد من التحديات أمام ممارسة الصابئة المندائيين المقيمين في هذه المحافظة لطقوسهم الدينية.
يعيش أتباع إحدى أقدم الديانات في العالم في خوزستان وغالبًا في مدن الأحواز، وسوسنغرد، وحميديه، وماهشهر، وعبادان، وخرمشهر؛ وأينما يتدفق نهر كارون. “المندائيون” أو “الصابئة” هم أتباع يحيى بن زكريا “يوحنا المعمدان”، وتتركز طقوسهم الدينية على التعميد في المياه الجارية شأنهم في ذلك شأن نبيهم؛ وهم أقدم أقلية دينية تعيش في إيران بعد اليهود.
التعميد هو الفريضة التي تتم مرة أسبوعيًا، كما يؤديها المندائيون قبل كافة الطقوس الدينية وأينما تتدفق المياه الجارية. يمارس أغلب المندائيين طقوسهم الدينية عند نهري كارون ودز، ويعيشون بالقرب من هذين النهرين. وعلى مر السنين، كانت ممارسة هذه الطقوس سببًا في خلق العديد من المشكلات لأتباع سيدنا يحيى بن زكريا وهجرة الكثير منهم بسبب التمييز العنصري في إيران.
قبل اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، كان هناك نحو 24 ألف صابئي في إيران ولا سيما في محافظة خوزستان، وعقب ممارسة المزيد من الضغوط على هذه الأقلية الدينية، هاجر أغلب المندائيين إلى العراق ليتمكنوا من ممارسة طقوسهم الدينية على ضفاف نهري دجلة والفرات. ولكن على مدار العقدين الماضيين، زادت هجراتهم إلى استراليا وأمريكا. وعلى الرغم من الافتقار إلى إحصاء دقيق لهم في إيران، إلا أنه من المرجح أن هناك ما بين 3 إلى 5 آلاف صابئي يقيم في خوزستان، وعدد قليل للغاية في أصفهان وطهران. إنهم أناس مسالمون ويبحثون عن الاستقرار.
يعمل أحد الشباب المندائيين في فن الزخرفة بالمينا شأنه شأن العديد من أقرانه، ويُعرف هذا الفن باسم “فن المينا الصُبي” ويتم زخرفته على المجوهرات من الذهب أو الفضة. ومنذ عامين، تم تسجيل فن المينا الصُبي فنًا وطنيًا والأحواز مركزًا لهذا الفن.
تزوج هذا الشاب قبل تفشي فيروس كورونا، ويقيم حاليًا في الأحواز، لكنه لا يرغب في الكشف عن هويته لأسباب أمنية. حيث يقول حول المشكلات التي يعاني منها المندائيون الإيرانيون: “قبل أداء كافة الطقوس الدينية بما في ذلك الزواج، ينبغي علينا التعميد، حتى أنه يتعين علينا أحيانًا المضمضة بمياه النهر، لكن انخفاض منسوب مياه نهر كارون قد أعاق عملية التعميد حتى أن بعض القساوسة يفضلون التوجه إلى قرية “مزرعه” التابعة لمقاطعة شوش لممارسة الطقوس الدينية حيث توجد بحيرة عذبة يتدفق فيها المياه الجارية عبر قناة. ومع ذلك لا يمكن لجميع المندائيين التوجه إلى هذه القرية لعدم قدرتهم على تحمل تكاليفها سواء من حيث المال أو الوقت.”
تتجه قبلة المندائيين صوب الشمال. وعلى ضفاف نهر كارون، توجد “منصة التعميد” والتي يذهبون إليها لأداء الفرائض الدينية. يقول هذا الشاب المندائي: “حينما ينخفض منسوب مياه النهر، نضطر إلى التوجه صوب الجزر الموجودة وسط نهر كارون. وفي بعض الأحيان يتعين علينا نزول الدرج المؤدي إلى المنصة للوصول إلى عمق المياه اللازم، وحينما يفتحون السد، تغمر المياه هذا الدرج والمنصة وتتعرض الأسر ولا سيما الأطفال للغرق خاصةً في ظل عدم تجريف النهر. على أية حال فإننا مضطرون للتكيف مع ارتفاع أو انخفاض منسوب مياه النهر، في حين كان منسوب المياه محددًا قبل بناء هذه السدود، وكنا نمارس طقوسنا بكل سلاسة.”
المياه الملوثة ومشكلاتها
إن تراجع منسوب المياه في خوزستان ليست المشكلة الوحيدة التي يعاني منها المندائيون. فهناك مشكلة أكبر تهدد صحتهم، وهي تلوث مياه كارون. كما أدى تدفق مياه الصرف الصحي للمدن والمخلفات الصناعية والزراعية في هذا النهر وعدم تجريفه، إلى تغير لون المياه وانبعاث رائحة كريهة منها. ورغم هذا، يعتقد المندائيون أنه أثناء أداء الطقوس وقراءة آيات كتابهم باللغة الآرامية، تصبح مياه النهر مقدسة، وتحمي الملائكة كل من يشرب من مياه النهر أو ينغمس بها.
يوجد مرفق للصرف الصحي بالقرب من منصة تعميد المندائيين وهو ما تسبب في زيادة تلوث المياه لدرجة أنه في بعض الأحيان يتم تعليق الطقوس الدينية بسبب شدة التلوث.
على الرغم من عدم وجود إحصائيات محددة للأمراض الناجمة عن تلوث مياه كارون بين المندائيين الذين يعيشون في خوزستان؛ إلا أن الأمراض الجلدية التي تصل أحيانًا إلى حد سرطان الجلد وكذلك الأمراض الأخرى مثل آلام المعدة أو خراجات الفم منتشرة إلى حد ما بينهم، ولا يمكن إنكار أن وجود المخلفات الصناعية والزراعية في نهر كارون هي سبب حدوث هذه الأمراض.
كورونا وطقوس المندائيين
مع تفشي فيروس كورونا، تأثرت طقوس المندائيين شأنها في ذلك شأن كافة الأديان والمذاهب. حيث بات الإلغاء أو الممارسة المحدودة هي النهج المتبع عند ممارسة طقوسهم.
في هذه الفترة، اقتصرت مراسم الزواج على عقدها بشكل جزئي في “مندي الصابئة” (معبد المندائيين) وبحضور الأقارب من الدرجة الأولى. كما اقتصرت مراسم عيد “أبو الفل” التي كان يجب عقدها في مندي الصابئة بشكل جماعي، على الاحتفال بها داخل منازل المندائيين بشكل خاص. واُختصرت مراسم الاحتفال بمولد سيدنا يحيى بن زكريا على الاغتسال في النهر، وتم الحد من مراسم العزاء للحيلولة دون تفشي فيروس كورونا.
المندائيون والجمهورية الإيرانية
المندائيون من أتباع الديانات التي وردت أسماؤها في القرآن الكريم وتحديدًا في سورة الحج. ولا يعتبر الفرد من المندائيين إلا إذا كان من أبوين مندائيين؛ ولهذا السبب لا يمكن للمسلمين تغيير دينهم والانضمام إليهم. ورغم هذا، فإنهم يعانون من التمييز العنصري بسبب عدم تعامل الجمهورية الإيرانية معهم بشكل جيد شأنهم في ذلك شأن الأقليات الدينية الأخرى.
إرسال تعليق