هاوري يوسفي – إيران وير
تناولت وسائل الإعلام كثيراً نصيحة “إبراهيم رئيسي” رئيس السلطة القضائية الإيرانية، لسلطاتِ إقليم كردستان العراق بتسليم المجرمين الإيرانيين الفارين إليه، وذلك في لقائه معهم يوم الخميس، 11 فبراير/شباط للعام الحالي.
وفضلاً عن أن انتشار هذا الخبر أثار موجة من المخاوف وردود الفعل لدى روّاد منصات التواصل الاجتماعي ومعارضي النظام الإيراني في إقليم كردستان العراق، فقد أعاد إلى الأذهان مرة ثانية موضوعَ استرداد بل حتى اغتيال معارضي النظام الإيراني، وملاحقتهم، وإلحاق الأذى بهم في الإقليم.
وبهذا الشأن، حاور موقع “إيران وير” بعض الصحافيين والمحللين والنشطاء السياسيين، وسألهم عن آرائهم حول احتمالية وإمكانية استرداد المعارضين، وعن درجة تعاون حكومة إقليم كردستان مع النظام الإيراني.
في اليوم الأخير من زيارته إلى العراق التي استغرقت ثلاثة أيام، اجتمع إبراهيم رئيسي بـ “هوشيار زيباري” عضو المكتب السياسي في الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي، والمبعوث الخاص لـ مسعود البارزاني رئيس إقليم كردستان الأسبق. وفي الوقت الذي أشار فيه إلى “علاقة حضارية تربط الأكراد بالجمهورية الإيرانية”، فقد نصحهم بعدم الوثوق بأمريكا، وطالبهم بالتعاون مع القضاء الإيراني في استرداد المجرمين الإيرانيين المتوارين عن الأنظار الفارين إلى الإقليم.
وأشار مصدر الخبر نفسه إلى إعلان إقليم كردستان العراق عن استعداده بشأن تطبيق قانون استرداد المجرمين بين إقليم كردستان وإيران، مُضيفاً على لسان هوشيار زيباري أن الإقليم “يُبدي استعداده في التعاون الكامل مع النظام الإيراني” في هذا الخصوص.
وفي حوار مع “إيران وير”، صرّح محمد خاكي، وهو صحافي مقيم في لندن وعضو المجلس الإداري في “إذاعة ديالوج” بقوله: “إننا إذا ما أخذنا في الحسبان الأوضاع الاقتصادية المتردية في إيران والمجتمع الإيراني المتجه نحو الانفجار، وخاصة احتمال بروز احتجاجات شعبية على نطاق واسع في كردستان إيران، يَسعى النظام الإيراني إلى تحويل إقليم كردستان العراق الذي يُعتبَر ملجأً لمعارضيه إلى مكان غير آمن، وتضييق الخناق عليهم ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ولا سيما أنه يصف معظمَهم بالمجرمين والمخالفين للقانون”.
“إلى جانب موضوع استرداد الإعلاميين والناشطين المدنيين والسياسيين، فإن بدء مرحلة جديدة من اغتيال معارضي النظام الإيراني وملاحقتهم وإيذائهم عبر الفِرَق الاستخبارية والأمنية في إقليم كردستان أمرٌ جدي ومقلق للغاية”.
وفي الوقت الذي يشير هذا الإعلامي إلى مكانة إقليم كردستان الهشّة سياسياً واقتصادياً حالياً، وعلى الخصوص الأوضاع المتقلبة التي يعيشها الحزب الديمقراطي الكردستاني في ظل تغيّرات القوى في المنطقة والعراق والإقليم نفسه، يعتقد أن إيران تحاول استثمار هذه الفرصة المتاحة واستغلالها. ووفقاً لهذه الرؤية، فإن “احتمالية التطبيق العملي لآلية استرداد بعض المعارضين من إقليم كردستان إلى إيران كبيرة جداً”.
كما يرى محمد خاكي أن الدعوة إلى التدخل السريع والنشِط للمنظمات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان، مثل “المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين” و“مراسلون بلا حدود” و“العفو الدولية”، ومساندتها للناشطين المدنيين والسياسيين وحمايتهم في إقليم كردستان مؤثرة بل ضرورية: “بالتوازي مع التغطية الخبرية والإعلامية للأوضاع الأمنية الهشة لمعارضي النظام الإيراني في الإقليم، ودرجة تعرضهم للأذى أو استردادهم، من الضروري أن تقوم مكاتب الأمم المتحدة الحاضرة في الإقليم، وبشكل خاص في محافظتي أربيل والسليمانية، بخطوات مهمة في سبيل توفير الأمن لمعارضي النظام الإيراني، سواءٌ كانوا مرتبطين بأحزاب كردية إيرانية أو ناشطين مدنيين وناشطين حقوقيين مستقلين”.
وبالمثل يَعتبر عبد الله حجاب المحلل السياسي المقيم في النرويج أن قضيةَ استرداد معارضي النظام الإيراني من إقليم كردستان “تهديد وخطر جاد”. ومن خلال إشارته إلى “فشل” النظام الإيراني في جعْل شعب إقليم كردستان منحازاً لسياساته بعد ثورة 1979، وكذلك خوفه القديم من انتفاضة اجتماعية في كردستان إيران، واتساع رقعتها في جميع أرجاء إيران.
وفي الظروف الراهنة على وجه التحديد، صرح لـ “إيران وير” أن مطلب رئيس السلطة القضائية “ليس سوى إخطار نهائي جاد لإقليم كردستان”. وفي حال عدم تنفيذ مطلبه فإنه سيتوسّل بالكشف عن أوراق الضغط السياسي والأمني والاقتصادي ورقةً تلو الأخرى بغرض إضعاف حكومة الإقليم في العراق، وكذلك إضعاف مكانة الحزب الديمقراطي الكردستاني في الأوساط السياسية للإقليم.
وبحسب عبد الله حجاب، فإنه بالنظر إلى أن لإيران حدوداً مشتركة طويلة مع المناطق الخاضعة لنفوذ وسيطرة حزب “الاتحاد الوطني الكردستاني” العراقي، فمن الطبيعي أن تكون لها علاقةٌ أوثق معه. لكنْ “انطلاقاً من أن الحزب الديمقراطي الكردستاني يَـحوز أكثرية الأصوات في البرلمان، وكذلك يمتلك القسم الأكبر من السلطة التنفيذية في إقليم كردستان، جاء مطلب استرداد معارضين النظام الإيراني منه”.
ويُضيف أن هدف النظام الإيراني النهائي هو مسايرة الحزبين له للبدء بعمليات استرداد وتسليم الصحافيين والنشطاء المدنيين والسياسيين المعارضين، ويقول: “ناهيك عن تداعيات هذا التعاون السياسية وخلقه فجوة في أوساط التيارات السياسية والشعب في كردستان العراق وكردستان إيران، أعتقد أن خطراً حقيقياً ستتعرض له حياةَ كثير من هؤلاء المعارضين الذين التجؤوا إلى إقليم كردستان العراق”.
وكذلك يشير حجاب إلى “فشل” إيران في خلق تقارب مع إقليم كردستان، وبصورة خاصة مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، بخصوص العلاقة مع أمريكا والدعوة إلى العمل ضد الأخيرة، مؤكداً أن “إقليم كردستان والحزب الديمقراطي الكردستاني وإن كان يَعي تماماً مصالحه المشتركة مع الدول الغربية إلا أن عليه أن يَدرس مطلب إيران دراسة متأنية ومتروية، نظراً لعلاقاته العريقة وتجربته الناجحة في التعاون مع الغرب. ومن ناحية ثانية، غالباً ما يتمتع معارضو النظام الإيراني بحقوقهم، ومردُّ ذلك إلى نشاطاتهم السياسية والمدنية في إطار قوانين اللجوء، وبالتالي تَقع مسؤولية توفير الأمن لهم على عاتق حكومة الإقليم”.
وأرجع الناشط السياسي الإيراني المقيم في فنلندا رحمان محمدي خلال حديثه مع “إيران وير” نصيحةَ السلطة القضائية في استرداد “المجرمين” إلى تدخل الجمهورية الإيرانية في المجالات السياسية في المنطقة، وفي إقليم كردستان العراق بوجه أخص.
وأضاف محمدي قائلاً: “صحيح أن هناك علاقةً وثيقة تاريخياً بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وبين نظامَـي الشاه والجمهورية الإسلامية، وخاصة في السنوات الأولى من ثورة 1979، لكن يبدو أن الظروف السياسية والاقتصادية الراهنة لإقليم كردستان ومكانة الحزب المتزلزلة بين التيارات السياسية سواءٌ في الإقليم أم في العراق ككل، قد مهّدتِ الأرضية لتتقدم إيران بمطلب كهذا”.
وتابع محمدي: “ربما يكون هذا المطلب قد طُرِح ثانية بالنظر إلى التجربة التاريخية في التعاون العسكري والأمني بين الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي مع النظام الإيراني وتجارب تسليم واسترداد المعارضين السياسيين الإيرانيين سواءٌ في عهد الشاه أم في عهد الجمهورية الإيرانية”.
ويعتقد أنه رغم جميع مشكلات كردستان العراق الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية والأمنية، إلا أنها كانت دائماً في العقود الثلاثة الماضية مأمناً وملجأ للنشطاء المدنيين والسياسيين والصحافيين والمفكرين والكتّاب وأصحاب الرأي الحر ممن التجؤوا إلى الإقليم لأسباب تُهدِّد أمنهم وحياتهم، واستقروا فيه. وعليه، “فضلاً عن توفير حكومة الإقليم أمنَ هؤلاء ومنحهم بطاقةَ إقامة مدتُها سنة واحدة، عليها أن تستغل علاقاتها الدبلوماسية في رفض ضغوطات النظام الإيراني المتزايدة في كسب التيارات السياسية في الإقليم إلى صفها بغرض تحقيق أهدافه وأغراضه في المنطقة”.
ويَعتبر رحمان محمدي عباراتٍ من قبيل “المجرمين المتوارين” و“المخالفين الفاسدين” جزءاً من أدبيات آلة البروباغندا في الجهاز القضائي الإيراني لتسويغ استرداد المعارضين وتحريف هويتهم السياسية.
ووفقاً له فإن معظم المواطنين الإيرانيين الملتجئين إلى إقليم كردستان هم أشخاص هربوا “من جهنم اسـمُها الجمهورية الإيرانية”، وأكثرهم كتّاب ونشطاء في المجال السياسي والمدني والبيئي ومجال العمل، وبعضهم انشق عن الأحزاب المعارِضة للنظام الإيراني لأسباب سياسية، وهم يمارسون حياتهم العادية الطبيعية، مضيفاً في هذا الصدد: “ليس على المجرمين الحقيقيين أن يخرجوا من إيران؛ لأنهم يسافرون إلى كندا وأمريكا وأوروبا وفي حوزتهم ملايين الدولارات، أو تتم حمايتهم في جنّة النظام الإيراني القائمة على ارتكاب الجرائم والجنايات”.
إرسال تعليق